تناول ملفات مهمة

حوار خاص مع الكاتب بكر أبو بكر: في ذكرى الانطلاقة الـ58.. هل نجحت "فتح" في القفز عن أزماتها؟

حركة فتح إقليم رام الله والبيرة
حجم الخط

رام الله - خاص وكالة خبر - مي أبو حسنين

لا حديث يعلو داخل حركة فتح في هذه الأوقات من كل عام سوى الاستعدادات التي تجري على قدمٍ وساق لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية الـ58، سواء في المحافظات الجنوبية أو الشمالية، بما يشمل كافة المدن والقرى والمخيمات داخل فلسطين المحتلة بالإضافة إلى المخيمات الفلسطينية في الشتات وحيثما تواجد الفلسطينيون أيضاً في قارات العالم.

لكِن قدسية الانطلاقة الـ58، لحركة التحرير الوطني الفلسطيني فتح والثورة الفلسطينية، لم تسلم من تسريبات وإشاعات تناقلتها وسائل إعلام منافسة للحركة، في إطار ما يُسمى "التنافس على خلافة الرئيس محمود عباس الذي تجاوز الـ86 من العمر". ببث تسريبات صوتية للرجل الأكثر قرباً من الرئيس عباس، هو حسين الشيخ، أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير.

"فتح" الانطلاقة وأول الرصاص وفتح عرفات، ليس كما فتح اليوم، وهذا ليس بالشيء المستغرب على حركة تحرر طني، فرضت عليها الظروف الإقليمية والدولية الدمج ما بين الكفاح المسلح والانخراط في العملية السلمية مع دولة الاحتلال الإسرائيلي وصولاً إلى المقاومة السلمية كما يؤمن الرئيس عباس وكما ترفض قطاعات كبيرة من شباب فتح وهو الأمر الذي تجلى في ظاهرة عرين الأسود مُؤخراً في نابلس، والتي قام بتأسيسها أبناء حركة فتح.

في السطور القادمة، نُسلط الضوء على مسيرة حركة فتح والنجاحات والإخفاقات في ذكرى انطلاقاتها وما المطلوب منها لتجاوز أزماتها الداخلية، مع الكاتب السياسي المقرب من حركة فتح، بكر أبو بكر.

س:هل تتشابه حركة فتح الانطلاقة والبدايات مع حركة فتح اليوم في ذكرى انطلاقتها الـ58؟

ج: أيّ تنظيم سواء سياسي أو غير سياسي، يبقى واقف عند نقطة انطلاقة فهو تنظيم جامد لا يقبل التطور ولا يفهم متغيرات الواقع، وهذا عكس المفهوم السائد "الثبات على الثوابت"، بمعنى على البدايات وهذا غير صحيح؛ لأنَّه كلما كان أيّ تنظيم قابل للتغيير بما فيه حركة فتح، ويتفهم الجديد ويتعامل معها، كلما كان أكثر قدرة على الاستمرارية.

وتمتلك حركة فتح منطق التواصل والديمومة، لكِن هناك فرق بين نقطتين رئيسيتين وهما "المعتقدات الثابتة للشعب الفلسطيني" وما بين "الأفكار السياسية المتغيرة"، حيث إنَّ المعتقدات الثابتة لكل الشعب الفلسطيني بما فيها فتح هي تحرير فلسطين، سواء القبول بأرض فلسطين ككل أو المتاح من الأرض ليُقام عليها الدولة بحيث يكون اللاحق هو كل فلسطين، وهو يرتقي لمعتقد ديني وسياسي وفكري باعتباره حقيقية تاريخية مستقبلية.

لكِن تأتي "المتغيرات السياسية" عبر الزمن؛ كي تتعامل مع مقتضيات القوة ومعسكرات الحلفاء والأعداء، والقدرة على رؤية هذه المتغيرات بالعوامل الثلاثة وهي العامل الوطني والعامل العربي والإقليمي والعامل الدولي، وهي قدرة نشطة على الاستمرار وفتح تمتلك هذا المفهوم.

كما أنَّ البعض ينظر إلى "التسريبات" التي تحدث بين وقتٍ وآخر ويُشارك بها العدو الصهيوني، ويُشارك بها المخالفين لحركة فتح، ومن المفترض أنّهم أخوة وشركاء يساهموا في عملية تفتيت الفكرة والإطار الموجود. رغم أنّ الخصومة لا تعني العداوة لأنّ العداوة ضد طرف واحد هو الاحتلال الصهيوني، وبذلك حينما تصل العداوة إلى إنهاء الآخر فهي أمرٌ مستنكر؛ وهو الأمر الذي يعبر عن  إشكالية في المنهج الديمقراطي؛ لأنَّ من يحمل المنهج الديمقراطي يستطيع أنّ  يستوعب الآخر ضمن ثلاثية معروفة وهي الاعتراف والتقبل  والتجاور، وهي موجودة في فتح.

فتح في مسارها قفزت إلى الأمام وخاضت مجموعة كبيرة من التجارب ودخلت مجموعة كبيرة من الأزمات بل والكبوات والفشل هذا صحيح؛ لكِنها تعترف وهذه ميزة أنّ ينتقد الإنسان نفسه ولا يغتر بذاته أو أنّه مُنزه وهي إشكالية كبيرة في أيّ تنظيم سياسي، نعم لدينا أخطاء وهي نقاط قوة، لكِن الوقوف عندها بحد ذاته لا قيمة له إلا إذا تم معالجته، وأعتقد أنَّ فتح لها من الاجتماعات التي تقف بشكل جيد عند كل مفصل بحيث تخرج بأفكار محددة لها، وأيضاً المؤتمرات في كل خمس سنوات والتي تتأخر في بعض الأحيان وهو خلل لإعادة بناء النظام السياسي ضمن عقيدة ثابتة ومفهوم الأفكار السياسية  المتغيرة.

س: كيف يمكن لفتح معالجة أبرز الأخطاء التي عانت منهما القضية الفلسطينية في السنوات الأخيرة ألا وهما الانقسام الفلسطيني والانقسام داخل البيت الفتحاوي؟

ج: أرفض تسميته بالانقسام، بل هو "خطيئة" ارتكبتها حركة حماس، برفعها السلاح مقابل الطرف الآخر بغض النظر عن المبررات التي تسوقها. وهذه الخطيئة جرت لإتباع منهج شارون بفصل الضفة عن غزّة، هم تساوقوا- ولا أتهم من الناحية الوطنية- بأنَّ خطيئة الدم أدت إلى الانفصال ليس الجغرافي وليس السياسي بل النفسي بين سكان الضفة وغزّة، وهو الأمر الذي حاولت الفصائل الفلسطينية بما فيها فتح وحماس تجاوزه؛ ولكِن يبدو أنّ هناك منهجين في الأذهان "منهج الكرسي"، سواء في غزّة أو عند البعض في الضفة، وهناك المنهج النضالي يرى أنّ الهدف الأكبر مفترض أنّ يجمعنا وهو موجود عند الطرفين، وباعتقادي هو الذي يجب أنّ نصل له رغم صعوبته.

أما بالنسبة لفتح، وهي إطار حيوي جداً، بمعنى التنظيمات الأيدلوجية فيها انقسامات وخلافات كبيرة، ولكن لديهم القدرة على دفن الأشخاص والخلافات أو إبعادهم أو نبذهم، لكن عند فتح كل شيىء مفتوح إلى درجة الفوضى وهذا خلل نعترف فيه. وهذه الزاوية مفترض إصلاحها ولا أنكر أنّ هذا خلل؛ ولكن إمكانية القفز عنه هي المواقع الفتحاوية من أعلى إلى أسفل قادرة على إصلاح الخلل مهما كانت المسير ة صعبة.

س: ما هي آلية تجاوز مسألة خروج عناصر من فتح بسبب الخلافات الداخلية؟

ج: صحيح توجد خلافات سياسية داخل فتح، أدت إلى خروج البعض، وتم تفعيل النظام الداخلي لفتح بشأن الانقسام- التي لا أوافق عليها- من وجهة نظري فكرة الفصل، فكرة مفترض للحد الأقصى وليس للحد الأدنى؛ لأنَّ الكثير من الحالات التي خرجت تحتاج إلى "التجميد" وليس الفصل؛ لأنّها ارتكبت أخطاء؛ لكِنها لا تصل لمرحلة البتر، والحل الأسلم هو "التجميد" وليس البتر والفصل.

س: كيف يُمكن تجاوز الخلافات داخل فتح بشأن مرحلة "ما بعد الرئيس عباس"، التي تُثير الخوف لدى عناصر الحركة من أيّ تفكك أو اقتتال؟

ج: فتح ليس الإطار التنظيمي المحدد بل كل الشعب الفلسطيني؛ لأنّنا نعتبرها بكل بساطة كما قال هاني بحص، وهو كاتب لبناني "إنَّ حركة فتح هي بنت فلسطين، إنَّ حرك فتح أم فلسطين، إنَّ حركة فتح تُشبه فلسطين". وأنّا لا أريد لهذا الشبه أن يتباعد. وبالتالي هذه التوترات موجودة داخل أيّ حركة طبيعية، وفتح تُمثل المجتمع الفلسطيني وكل إنسان يُريد تحرير فلسطين بغض النظر عن المعتقد الديني ويعتقد في وسائل متعددة يأتي لفتح. وخلاصة الأمر بالنسبة لكل الفصائل في ثلاث مكونات تجعلها قادرة على الاستمرار والإيمان والعمل والالتزام بالهدف وهي الخطوات التي تجعلنا متفائلين،كما قال الزعيم الراحل ياسر عرفات، "إنَّ هذا الشعب يسبق قيادته، وقادر على تصويب المسار ويتجه نحو البوصلة الموحدة".