هآرتس: يا لها من مناقشة رائعة في المحكمة العليا

ليفي.jpeg
حجم الخط

 بقلم جدعون ليفي:

 

لا أحد سمع النقاش الذي جرى في المحكمة العليا إلا وتأثر به. 13 ساعة ونصف الساعة من النشوة؛ إسرائيل الثانية ليست إسرائيل التي من الواقع، بل التي في الأحلام. منذ فترة طويلة لم يكن لدينا نضال جدي وعميق بهذه الدرجة. ومنذ فترة طويلة لم يكن لدينا نقاش مقطوع بهذا القدر عن الواقع الإسرائيلي الجاهل والضحل والمشاكس والفظ والعنيف والشخصي.

النقاش الذي جرى في المحكمة العليا كان انعكاساً لسيرك البراغيث الذي سبقه في لجنة الدستور داخل الكنيست. كل شيء كان علمياً، أنيقاً، ودياً ومحترماً؛ قاعدة “الصفحات الذهبية” و”حكم فانسبري”. حتى إن ممثل الحكومة، المحامي إيلان بومباخ، ظهر للحظة بأنه مثقف بارد من وسط أوروبا وهو يقتبس مونتسكيو وهوبس. نقاش يهودي خالص وأشكنازي بالكامل مع مزيد من القبعات، تقريباً بدون العرب والحريديم، الذين هم مصدر إزعاج ثابت للمجتمع. إسرائيل البيضاء تناقش مستقبل نظامها. كان هذا ممتعاً ومحبطاً في الوقت نفسه.

كان النقاش في فقاعة محمية ومغلقة، غواصة صفراء في مياه ضحلة، ندوة عليا للديمقراطية بمشاركة خيرة العقول على متن سفينة “التايتانيك”. لو وجد الأجنبي نفسه في هذا النقاش لأخطأ في الاعتقاد بأن هذا هو مستوى النقاشات والجدالات في إسرائيل، هكذا يتحدثون فيها، لا سيما في الفترة الأخيرة. ولكن المستوى والأسلوب لم يكونا العامل الأكثر خداعاً. فمضمون النقاش كان مخادعاً أكثر بكثير.

الأمر الذي اعتبر من البداية “النقاش الأهم في تاريخ القضاء الإسرائيلي” كان في الحقيقة هكذا. فقد كان النقاش السياسي الأكثر أهمية في تاريخ دولة إسرائيل، ببساطة، لأن هذه النقاشات المهمة والمصيرية لم تحدث ولن تحدث أبداً، وهذا ليس بالصدفة بالطبع. لا يمكن الاستخفاف بأهمية الصراع على قوة استقلالية السلطة القضائية، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل النقاشات السياسية التي لم تحدث قط من قبل، حتى لو كانت الأكثر مصيرية وأهمية.

النقاشات التي جرت في المحكمة العليا كانت مضللة لأنها ولدت انطباعاً بأن ذريعة المعقولية تقف بين إسرائيل الديمقراطية وإسرائيل الديكتاتورية. من هنا جاءت الرحمة، وبالتالي التسجيل المصيري للنقاش. فمن جهة، هناك حراس عتبة يناضلون من أجل الإبقاء على كل ما هو موجود. ومن جهة أخرى هناك اليمين التخريبي والانقلابي الذي يريد تدمير كل شيء، بما في ذلك إعلان الاستقلال، وكأن هذه الوثيقة المقدسة قد تم تطبيقها في أي وقت، عمود النار الذي سارت الدولة على هديه منذ إقامتها. ايلان بومباخ الشرير جاء وألقى هذه الوثيقة في سلة مهملات التاريخ.

هذا مضلل. هذه طريقة أخرى لنقول لأنفسنا “يا لروعة جمالنا! أي وثيقة فاخرة لدينا. وكيف سرنا على هديها إلى أن جاء بومباخ. هل يستخف بوثيقة الاستقلال؟ إسرائيل تستخف بها منذ إقامتها. إسرائيل الجميلة طبقت قيماً قليلة جداً من التي صاغها الـ “37 شخصاً الذين لم يتم انتخابهم”. أن تقرأ في الوثيقة عن شعب “يحب السلام ويدافع عن نفسه”، وعن إسرائيل التي “ستطبق المساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسي لكل مواطنيها بدون تمييز في العرق أو الدين أو الجنس”، وعن إسرائيل التي ستكون “مخلصة لمبادئ وثيقة الأمم المتحدة”. العفو؟ متى طبقت إسرائيل أي قرار للأمم المتحدة، هاتوا ولو واحداً فقط؟ ولنضحك أيضاً من هذا، “نحن نمد يدنا للسلام والجيرة الحسنة لكل الدول الجارة وشعوبها”. يد للسلام؟ لمن؟ متى؟ أين؟ ما الذي طبقته إسرائيل من كل ذلك قبل أن يقوم بومباخ بتدميره؟

النقاشات التي جرت في المحكمة العليا كانت أوهاماً وأمثالاً. لم تكن مختلفة بأي شيء عن النقاشات في المحكمة العليا في جنوب إفريقيا السابقة حول طبيعة الديمقراطية للبيض التي كانت مطبقة هناك. أي نسمة هواء لم تخترق القاعة “ج” في محكمة العدل العليا، ولم يسأل أحد كيف يمكن التحدث عن الديمقراطية في دولة أبرتهايد.

نأمل وبحق أن تستمر إسرائيل بفضل المحكمة العليا بالسير في ضوء قاعدة “الصفحات الذهبية”. سيكون البديل أخطر وأسوأ. ولكن يجب الاعتراف بأنه “حتى مع الصفحات الذهبية، لن نكون دولة ديمقراطية حتى ولو للحظة.