هارتس : شركات إسرائيلية تحوّل الإعلانات التجارية سلاحاً في المعركة التكنولوجية (1 من 2)

20232509204741.jpg
حجم الخط

بقلم: عومر بن يعكوف



تحولت هذه الحقيقة إلى مفهومة ضمناً: يلاحقوننا جميعاً في الشبكة العنكبوتية، تقريباً طوال الوقت. تعرف شركات التكنولوجيا وشركات الإعلانات كل شيء عنا تقريباً - أين نتواجد، ماذا نشتري، وأي تطبيقات نستعمل، وكيف نستعملها، وما هي أنماط الاستهلاك الخاصة بنا، وحتى ميولنا الجنسية. لكنْ هناك شيء واحد فقط مهم لا تستطيع شركات الإعلانات معرفته: هويتنا، التي يجب أن تبقى سرية.
نعرف كيف تجري الأمور على السطح: قرأنا منشوراً نشره صديق عاد من السفر، وفجأة يظهر لنا إعلان عن الفندق، إلا أن أغلبيتنا لا تعرف ما يجري خلف الكواليس.
كل مرة ندخل فيها إلى تطبيق أو موقع، ومن دون أن تلاحظ عيوننا، تحدث عملية مفاوضات سريعة ومعقدة وعدوانية، تجسّد كل اقتصاد الإنترنت: خلال جزء من المئة في الثانية - اللحظة التي تمرّ بين الضغط حتى فتح الصفحة التي نريد - يجري مزاد تلقائي بين مئات آلاف الشركات الإعلانية المختلفة. يقاتلون على الحق في الإعلان لنا بالضبط في تلك الثانية. وكلما كانت المعلومات لديهم أكثر دقةً، وهادفة أكثر، أصبح الاحتمال بأن نضغط أعلى، وهكذا يرتفع أيضاً ثمن الإعلان.
لكن هناك مَن يعرف كيف يستغل هذه الثانية لمهمة اختراق مركّبة أكثر: إرسال إعلان خاص يبدو ساذجاً، لكنه يتضمن داخله تطبيق تجسُّس متطور. هذا الإعلان الذي يبدو عادياً جداً، في الحقيقة سلاح سيبراني يستطيع اختراق الهاتف، أو الحاسوب الخاص بنا.
سابقاً، كانت هذه القدرات محصورة في أجهزة الاستخبارات. كانت تستغل عالم الإعلانات الرقمي الذي يجب أن يكون سرياً من أجل تخطّي منظومات الحماية الخاصة بشركتَي "آبل" و"غوغل"، ثم زرع تطبيق تجسُّس متطور فيها. وبحسب متخصص في التكنولوجيا، فإن "الحديث يدور عن قدرات تسمح بتحويل كل إعلان إلى رصاصة تكنولوجية لإصابة الجهاز".
وإذا لم يكن هذا كافياً، فإن هذه التكنولوجيا بدأت تصل إلى الشركات التجارية. يكشف الآن تحقيق "هآرتس" ومكتب "الخدمات السرية" أنه خلال أزمة وباء كورونا، تطورت في إسرائيل صناعة سايبر وتجسُّس جديدة ومقلقة. طوّر بعض الشركات التكنولوجية الإسرائيلية تكنولوجيا تعرف كيف تستغل المنظومات القائمة لجمع المعلومات وملاحقة المواطنين، وهو ما يسمح بملاحقة مئات آلاف الأشخاص، إن لم يكن الملايين.
التحقيق الذي يستند إلى محادثات مع أكثر من 15 مصدراً في مجال السايبر الهجومي وأجهزة الأمن والصناعات الأمنية الإسرائيلية، يكشف أن هناك مجموعة صغيرة من الشركات الكبرى تذهب أبعد من ذلك، وتستغل هذه التطبيقات بهدف الهجوم وزرع أجهزة التجسس. وبذلك، وفي الوقت الذي تنافس ملايين الإعلانات على الظهور على شاشاتنا، فإن شركات إسرائيلية تبيع تكنولوجيا تحوّل هذا الإعلان إلى سلاح يمكنه اختراق أجهزتنا.
إحدى هذه الشركات التي يُكشف عنها هنا للمرة الأولى تُدعى "إينست" (Insanet). وكاسمها، هي مجنونة ببساطة، بحسب مصادر في المجال. الشركة التي أقامتها مجموعة من رجال الأعمال المعروفين في مجال السايبر، تتبع لمجموعة من المسؤولين السابقين في أجهزة الأمن، بينهم رئيس مجلس الأمن القومي سابقاً، داني أرديتي. ويكشف التحقيق أن الشركة نجحت في تطوير تكنولوجيا تستغل الإعلانات بغرض التجسس. وليس اعتباطاً، منحت الشركة المنتوج اسم "شارلوك".
أصحاب الشركة، بعضهم له علاقات قديمة وعميقة مع أجهزة الأمن، نجحوا في الحصول على تصريح من وزارة الدفاع لتسويق التكنولوجيا في العالم. عملياً، باعت الشركة التكنولوجيا والقدرات لدولة غير ديمقراطية.
وبحسب نتائج التحقيق، هذه أول حالة في العالم تباع فيها منظومة كهذه كتكنولوجيا. شركة إسرائيلية أُخرى، تدعى ريزون، نجحت في تطوير منتوج مشابه، وحصلت، هذا العام، على مصادقة مبدئية لبيعه لزبائن في دول غربية، لكنه لم يُبَع بعد.
الحقيقة المقلقة جداً هي أنه اليوم لا يمكن حماية النفس من هذه التكنولوجيا، ومن غير الواضح ما إذا كان هناك طريقة لإيقافها. شركات التكنولوجيا، وعلى مدار السنوات، أغلقت الطريق أمام المئات من الاختراقات التي استطاعت شركات تجسُّس كـ"بيغاسوس" الدخول عبرها. مؤخراً، تم الكشف عن اختراق، وجرى إغلاقه في المحفظة الرقمية التابعة لـ"آبل" لزرع كود تجسُّس. ولكن حتى أكثر منظومات الدفاع المتطورة والذكية كتلك التي لدى "آبل"، أو "غوغل"، أو "مايكروسوفت"، لا تعرف كيف يمكنها وقف تجسُّس من هذا النوع. أنظمة الإعلانات الخاصة بها كانت تُعتبر محمية تماماً حتى اليوم، يبدو هذا خطأً.
هذه قصة تكنولوجيا تعرف كيف تحوّل الإعلان إلى أداة حرب في المعركة التكنولوجية. قصة منظومة تعرف كيف تتخطى قيود الحماية والخصوصية لـ"آبل" و"غوغل"، وتخترق الهاتف عبر استعمال معلومات إعلانية. هذه قصة عن العلاقة الخطِرة بين عالم الاستخبارات والسوق الخاصة: نموذج واضح مما تسمى "رأسمالية الملاحقة" - كيف يتم استغلال معلومات جمعتها جهات تجارية لأهداف استخباراتية، ويتحول - بمساعدة رجال أعمال إسرائيليين في مجال التكنولوجيا العالية الدقة - إلى منتوج أمني. هذه قصة عن الطريقة التي يتم فيها تسريب معرفة موجهة إلى القطاع الخاص، بشكل يحوّلها إلى سلاح ضد المواطنين، من دون رقابة ومحاسبة. * * *
في البداية، تمّت صناعة اللافتة "البانر". في سنة 1994، اشترت شركة AT&T الإعلان الأول على الإنترنت من موقع Hot wired. وسأل الإعلان "هل ضغطت مرة بالماوس هنا؟ الآن ستضغط". النموذج كان فعالاً. وبحسب المعلومات التي جمعها الموقع لمصلحة المعلنين، فإن نصف الذين رأوا الإعلان ضغطوا وحققوا الهدف.
بعد ذلك بثلاثين عاماً، لا نزال نضغط، لكن عالم الإعلانات اختلف كلياً. اليوم، يستند الإعلان إلى الهاتف الذكي، وهو بعيد كل البعد عن المصادفة. الإعلانات تعرف عنا الكثير جداً، وتستطيع مثلاً رصد مكاننا حتى الشارع الذي نحن فيه، إن لم يكن أمتاراً قليلة - وإحالة المعلومة على تاريخ البحث الخاص بنا.
تحوّل عالم الإعلانات التكنولوجية عبر السنوات ليصبح وحشياً من حيث الحجم: آلاف الشركات، عشرات آلاف الأنواع لجمع المعلومات، والتحليل، والتصفية، وزيادة الجودة، ثم الاستهداف. وحول الإعلانات، بُنيَ اقتصاد موازٍ ضخم - هذه بورصات الإعلانات على الهواتف الذكية الخاصة بـ"آيفون" و"غوغل"، والتطبيقات الكثيرة والمختلفة التي تُركّب عليها، حيث يتنافس المعلنون هناك طوال الوقت على الظهور على شاشاتنا.
وكما قيل كثيراً: إذا كان هذا مجانياً، فنحن المنتوج. بورصات الإعلانات وأسواق المعلومات التي تقف خلفها هي سوق، نحن مَن يتاجرون بنا فيها.
إلا أن هذه المعلومات التي لا تنتهي لا تُستعمل فقط على أيدي المعلنين. قبل عدة أعوام، اكتشف موظفون في هذا المجال أنه يمكن استعمال هذه البورصات أيضاً، بهدف استهدافنا للملاحقة والاستخبارات. هذا مجال غير معروف، ويُدعى Adlnt (AD intelligence)- استخبارات الإعلانات. الهدف منه تحويل المعلومات التي تم جمعها من أجل الإعلان إلى معلومات استخباراتية.
بحسب مصدر يشغّل إحدى هذه الشركات، فإن "غوغل وآبل خلقتا سوقاً تجسُّسية." مضيفاً: "كانوا يأملون بأن الناس لن يفهموا أن المعلومات التي يجمعونها هي بمثابة كنز ذهبي للاستخبارات. طريقة أُخرى لفهم الموضوع، هي أن آبل وغوغل هما بالأساس نوع من أنواع شركات التجسّس. ببساطة، هناك مَن يعرف كيف يستغل هذا".
وبسبب الحساسية في هذه المعلومات، وبشكل خاص تلك المرتبطة بهاتفنا، يجب أن تكون المعلومات سرية. لكل هاتف ذكي هناك رقم هوية إعلانية، ويكون ربطه برقم الهاتف أو اسم الشخص مستحيلاً. الهدف واضح: عدم السماح بالتجسس على الهاتف وملاحقة أشخاص معينين، وعدم السماح لشركات الإعلانات باستغلال هذه المعلومات عنا. حتى أن قانون الخصوصية الأوروبي (GDPR) يمنع ذلك بشكل واضح.
ولكن حتى المعلومات من دون اسم الشخص يمكن أن تكون لها قيمة كبيرة. مثلاً، من خلال تكنولوجيا الإعلانات، يمكن رصد كل الأشخاص الذين مروا من مطار معين في وقت معين. هذه الأداة يمكن استعمالها من أجل ملاحقة سلسلة العدوى ووقفها خلال انتشار وباء. أولاً، يتم جمع جميع الهويات الإعلانية التي كانت في المطار. هذه حركة بسيطة جداً: في كل مرة نفتح الهاتف وندخل إلى تطبيق يطرح إعلاناً، يرسل الهاتف إلى المعلن معلومات عن مكان وجودنا، بهدف زيادة نجاعة الإعلان المطروح أمامنا. رصد هذه الهويات يخلق قائمة أشخاص كانوا في المطار لوقت معين. صحيح أن المعلنين لا يستطيعون معرفة أسماء هؤلاء الأشخاص، لكنهم يستطيعون تشخيصهم كأهداف يمكن الاستمرار في استهدافها. يبدؤون بنشر الإعلان، وبذلك يلاحقون تنقلاتهم في العالم.
وبذلك، بدأت خلال أزمة "كورونا" صناعة جديدة تسمى استخبارات الإعلانات الجماعية. شركة أقامها أريك بينون مثلاً، من الرياديين في مجال السايبر الهجومي الإسرائيلي، اقترحت على "الشاباك" خدمات تحديد الموقع والملاحقة المبنية على الإعلانات. وكما نشر غور مغيدو في "ذا ماركر"، فإن الفكرة كانت القيام بهندسة عكسية للمعلومات عن المتصفّحين في شركات الإعلانات الكبيرة، لأهداف استخباراتية. في هذه الحالة، كان الحديث يدور عن رصد جماعي لملاحقة انتشار الوباء.
الشركة التي نتحدث عنها تُدعى Intelos، تسوّق منتوجاً استخباراتياً يستند إلى الإعلانات، يُدعى AdHoc لمصلحة شركات فرض القانون وزبائن تجاريين. منتوجاتها لا تخضع للرقابة، ولا تُعَد أمنية. هناك صناعة كاملة لشركات شبيهة. وكقاعدة، فإن الملاحقة العامة عبر الإعلانات غير مراقَبة من وزارة الدفاع لأنها تستند إلى معلومات يمكن شراؤها تجارياً. لكن يمكن تفعيل هذه التكنولوجيا أيضاً لأهداف أمنية - بالأساس لملاحقة أهداف مشتبَه فيها حتى من دون معلومات شخصية. مثلاً، يمكن تخيُّل حملة إعلانية موجهة إلى جمهور علماء في النووي من أصل إيراني من الفئتين العمريتين 35 و65 عاماً، مروا في العام الأخير من مطار طهران. وبعد تشخصيهم وحصولهم على الإعلانات الأولية، يمكن الاستمرار في استهدافهم لوقت طويل، وبذلك يعلمون إلى أين يذهبون ومتى.
وفعلاً، ما بدأ كملاحقة مرضية ومحاولة رصد سلاسل العدوى، تحول سريعاً إلى مجالات أُخرى. فعلى سبيل المثال، بحسب وثائق وصلت إلى ملحق "هآرتس"، فإن الشركة الإسرائيلية Cobwebs، المتخصصة في مجال الاستخبارات، والتي تستند إلى معلومات علنية، ولذلك لا تحتاج إلى رقابة، تطرح تكنولوجيا تعرف كيف ترصد الموقع المحدد لهاتف عبر معلومات إعلانية. هذه القدرة تشرح كيف يمكن ملاحقة هدف محتمل في إيران، ومن هناك، يمكن رؤية كيف تلاحق الشركة الهدف في كافة مناطق الدولة.
يشير نموذج إيران إلى خصوصية استخبارات الإعلانات هذه: في الوقت الذي تستند أغلبية أنواع الاستخبارات الرقمية والسايبر الهجومي إلى الوصول المباشر إلى المعلومات والشبكات والبنى - تلك الموجودة لدى الدول فقط - فإن استخبارات الإعلانات تستند إلى معلومات تكون علنية، ويمكن رصدها عبر مصادر تُعتبر مفتوحة.
يمكن شراء المعلومات من بنوك مختلفة، أو الوصول إليها بطرق إبداعية. فمن أجل رصد موقع شخص معين مثلاً، لا حاجة إلى أكثر من المعلومات الموجودة في بورصة الإعلانات الخليوية.
وبحسب مصادر في هذا المجال، فإن اسم اللعبة هو مقارنة ذكية بين عدد كبير من مصادر المعلومات. حتى أن مجرد المشاركة في المسار، يمكن أن تكشف للمعلنين معلومات جغرافية - وذلك من دون علاقة بكون المعلن حقيقياً، أو تستخدمه شركة استخبارات.
وبحسب مصدر في المجال، "من أجل القيام بعمل استخبارات الإعلانات، يجب بناء شبكة ضخمة من الإعلانات." مضيفاً: "أنت بحاجة إلى أن تكون مرتبطاً بشبكات الإعلانات المختلفة للقيام بما لا تريد "آبل" أو "غوغل" القيام به - أن تلاحق الأشخاص، وحتى أن تستهدف شخصاً عبر البروفايل الإعلاني الخاص به".
لذلك، فإن الشركات في هذا المجال عموماً، ترتبط بشركات إعلانات. حتى أنها أحياناً تفعّل شركات إعلانات خاصة بها، تمنحها الغطاء لعملها الاستخباراتي، وتمنحها إمكانية الوصول إلى المعلومات التي تحتاج إليها.
يبدو من التحقيق أنه توجد سلسلة من الشركات الإسرائيلية التي تطرح خدمات الاستخبارات من هذا النوع لأنواع مختلفة من الزبائن. إحداها هي شركة ريزون، التي تُعتبر ريادية في هذا المجال، حتى أنها اخترعت مصطلح Adlnt. المنتوج الخاص بها يُسمى Echo، ولا يخضع للرقابة لأنه يستخدم معلومات علنية، ويتم بيعه لجهات خاصة، وأيضاً لجهات رسمية في الدولة، معنية بالشراء لملاحقة الفلسطينيين في البلد.

عن "هآرتس"