عن التطبيع والشروط السعودية

xJUE7.jpeg
حجم الخط

بقلم سنية الحسيني

 


تستمر الاتصالات بمبادرة أميركية حول التطبيع بين السعودية وإسرائيل . حيث تعتبر الإدارة الأميركية أن إنجاز هذا الاتفاق التطبيعي يعد أولوية، لأنه يمكن أن يرفع أسهمها في الانتخابات القادمة، رغم الأعباء والعقبات التي تواجهها لإخراجه، بسبب الشروط السعودية. وتتطلع السعودية لإنجاز هذا الاتفاق، الذي يخدم، إن تحقق، تطلعات المملكة المستقبلية في إطار نظرتها لمكانتها المستقبلية الاقتصادية العالمية، والاستراتيجية الإقليمية والتي ترتبط بضبط توازن قوى المنطقة. الا أنه في ظل تصريحات وسياسات الحكومة الإسرائيلية الحالية، التي تتحدى بتبجح الشرط السعودي بحل عادل للقضية الفلسطينية، يبقى من الصعب على المملكة التخلي عن الشعب الفلسطيني، في ظل مكانة المملكة العربية السعودية، وتطلعاتها المستقبلية لمكانتها العالمية.
وجاءت التصريحات الرسمية السعودية، خصوصاً تلك التي صدرت عن وزير الخارجية السعودي والسفير السعودي الجديد في فلسطين عن التطبيع حاسمة حيث شددا على حل الدولتين ومبادرة السلام العربية، وهي تعكس العدالة التي يتطلع اليها الفلسطينيون، بعد سنوات طويلة من الظلم والإنكار لحقوقهم المشروعة.  
ويمكن فهم شروط السعودية للتطبيع مع إسرائيل ضمن أهداف المملكة لتحقيق رؤيتها الطموحة لسعودية ٢٠٣٠، على رأسها تحقيق الثورة الاقتصادية، والتي ستتجاوز من خلالها المملكة  الاعتماد على النفط.  وهي ثورة  تستلزم تحقيق عده أهداف أخرى أهمها؛ التزام المملكة لسياسة الحياد وعدم الانحياز لأي طرف في أي صراع؛ واتباع سياسة تصفير المشاكل مع دول المحيط؛ مع الاحتفاظ بتوازن القوى في المنطقة. وسجلت المملكة نمواً في الناتج المحلي هي الأسرع بين دول مجموعة العشرين، ولعامين متتاليين، وتتطلع لأن تكون ضمن مجموعة الـ ٧ او الـ ٨ الكبار. كما أكد ولي العهد محمد بن سلمان في مقابلته لـ «فوكس نيوز» أن المملكة لا تدعم طرفا على حساب طرف في الحرب الروسية الأوكرانية، ولا تتخذ قراراتها في منظمة «اوبيك بلس» الا وفق سياسة المنظمة ومصالح المملكة. كما أكد أن بلاده لم تنضم لتحالف بريكس، للمواجهة مع واشنطن أو أي طرف آخر، وإنما لتحقيق مصالحها، خصوصاً وأن دولاً حليفة لواشنطن عضو في التحالف. وفي ما يتعلق بالجوانب الأمنية والاحتفاظ بتوازن القوى في المنطقة، فيبدو أنها  تتحقق بشكل كبير في حال لبت واشنطن شروط المملكة لتحقيق التطبيع مع إسرائيل، والمتعلقة باتفاقية التحالف والأسلحة النوعية والقوة النووية السلمية، وترتبط بتهديد المملكة  بأن «حصول إيران على سلاح نووي، يعني تلقائياً حصول المملكة على مثله». وأكد بن سلمان أيضاً على سعي بلاده لتصفير مشاكلها مع دول الإقليم، فأكد على مساهمة المملكة في عودة نظام الأسد للجامعة العربية، وتطبيع علاقاتها مع إيران، ومساعيها لإنهاء الحرب في اليمن، كما لا تمانع بتطبيع علاقتها مع إسرائيل. وارتباطا بالبند الأخير، قبل فترة وجيزة تم الكشف عن جهود تقودها السعودية وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي بالتعاون مع مصر والأردن لاحياء العملية السلمية، واستضافت السعودية قبل أيام اجتماعا في نيويورك ضم تلك الأطراف وفي اطار تلك الجهود. ويزور أنتوني بلينكن الشهر المقبل الأراضي المحتلة، في إطار المساعي الأميركية لإنجاز التطبيع بين إسرائيل والسعودية. إذاً مبادرات إحياء  السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين تأتي بالتوازي مع مفاوضات التطبيع، وهي تأتي ضمن مخطط طموح للمملكة بتصفير مشاكلها مع دول الإقليم، من بينها إسرائيل. فهل إسرائيل مؤهلة للسلام، وللتعاون مع دول المنطقة لتحقيق السلام الاقتصادي؟
في ظل هذه التصريحات الواضحة للسعودية، والتي تضع حل القضية الفلسطينية كأحد شروطها الأربعة لإتمام التطبيع مع الكيان المحتل. تعول حكومة الاحتلال على الولايات المتحدة كي تدفع ثمن ذلك التطبيع، بينما تتنصل هي من أي التزام يمكن أن يترتب عليها. وفي مشهد مستهجن، عرض رئيس وزراء الحكومة اليمينية الإسرائيلية أمام الجمعية العامة في دورتها الـ ٧٨، يوم الجمعة الماضية، خريطة فلسطين كاملة مظللة باللون الأزرق، مطبوع عليها كلمة «إسرائيل»، في تجاهل تام للأراضي التي احتلت في العام ١٩٦٧، وفي تحدٍ للمنبر الذي يقف عليه، وقد تبدو أيضاً رسالة للسعوديين، الذين يخوضون بالتزامن مفاوضات التطبيع مع الادارة الأميركية.
وقبل أيام، وفي تحد مشابه، أعلن نتنياهو عن نيته استكمال جدار العزل العنصري على طول الحدود الشرقية مع الأردن، في تجاهل تام لحدود الدولة الفلسطينية مع الأردن، وبانسجام كامل مع توجهاته وحكومته بتجاهل حقوق الفلسطينيين، ومستقبل دولتهم. وتستمر حكومة الاحتلال في استكمال سياساتها الاستيطانية التوسعية بشراسة في الأراضي المحتلة، وممارسة القتل والاعتقال وسلب الأرض واقتحام المقدسات بشكل يومي.
تستمد المملكة العربية السعودية مكانتها السياسة المميزة انطلاقاً من اعتبار ديني في الأساس، بالاضافة للاعتبار الاقتصادي، ذلك الاعتبار الأساس الذي جعلها تحتضن الفلسطينيين وقضيتهم العادلة، طوال تلك السنوات الماضية، كدولة قائد على المستوى العربي والإسلامي. ومن المفيد الإشارة إلى أن المملكة تبنت طريق الحل السلمي للقضية الفلسطينية منذ مؤتمر القمة العربية في فاس عام ١٩٨١، والذي تبلور تدريجياً ووصل لمبادرة السلام العربية، وسعت مع مصر، بعد توقيعها لاتفاقيات كامب ديفيد للسلام عام ١٩٧٨، لحث القيادة الفلسطينية على تنبي هذا الحل. وتشكل مفاوضات التطبيع التي تقودها الولايات المتحدة بين إسرائيل والسعودية فرصة لمعرفة حدود واشنطن في إقناع إسرائيل، خصوصاً في ظل حاجة الإدارة الاميركية لعقد هذه الصفقة، قبيل الانتخابات الرئاسية القادمة، وفي ظل التجاوز عن القضية الفلسطينية في اطار تلك المفاوضات. وإن كان من الصعب على الولايات المتحدة الوصول مع الحكومة اليمينية الحالية لنتيجة مرضية للسعودية وللفلسطينيين في اطار حل القضية الفلسطينية. إن تمت الصفقة، وفق شروط السعودية، سيميل ميزان القوى في المنطقة لصالح المملكة، التي ستمتلك قدرة عسكرية جبارة، بمساعدة واشنطن، واقتصادية هائلة دون منافس في المنطقة، وتكنولوجيا نووية سلمية تنافس إيران، وإن بقيت إسرائيل الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك السلاح النووي، لكن دون أن تنافس المملكة على صعيد الأهمية الإستراتيجية السياسية والاقتصادية.