اسرائيل اليوم : نوافق على "النووي" السعودي مقابل حل المسألة الفلسطينية

تنزيل (19).jpg
حجم الخط

بقلم: تمير هايمن

 

 


تخصيب اليورانيوم على الأراضي السعودية مخاطرة ينبغي أن يؤخذ بها في ظروف معينة فقط. يدور الحديث عن إذن أميركي يشذ عن سياسة الولايات المتحدة في موضوع الانتشار النووي في الشرق الأوسط، وبالتالي يجرّ معارضة واسعة.
لكن يدور الحديث أيضا عن اعتبار استراتيجي، وبالتالي من المحظور أن يكون البحث حاسما وقاطعا. هذه ليست مسألة نعم أو لا، هذه مسألة سياسة ومقابل ينبغي تحليله أيضا.

الجياد فرت منذ الآن من الإسطبل
أولا، ينبغي التشديد على أن الحديث لا يدور عن خرق بحظر شبه ديني. فالحظر شبه الديني على الإذن الأميركي لتخصيب اليورانيوم في الشرق الأوسط اخترق في 2015، عندما وافقت الولايات المتحدة والقوى العظمى الأوروبية على أن تخصيب اليورانيوم على أراضيها (هذا هو جوهر التنازل الغربي لإيران في الاتفاق النووي). وبالتالي كان متوقعا أن يبدأ سباق تخصيب؛ هذا ليس مفاجئا وليس جديدا، وبهذا المفهوم فإن الجياد فرت منذ الآن من الإسطبل.
ثانيا، مع الفارق عن إيران التي هي عدو إسرائيل، وتشكل خطرا عالميا، ستوجد السعودية في وضع سلام مع إسرائيل. وفي الحالة السعودية أيضا وبشكل مشابه للقلق الذي يوجد في إسرائيل حيال كل دولة وقعنا معها على اتفاقات سلام (مصر والأردن)، يثور التخوف حول استقرار النظام. هذا هو دوما خطر في الشرق الأوسط، لكن إعطاء وزن مبالغ فيه لهذه الإمكانية من شأنه أن يؤدي إلى غياب أي مبادرة سياسية. وعلى الرغم من الخطر، يجدر بنا أن نذكر مناعة الممالك في عصر الهزة العربية (الربيع العربي).
بينما أسقطت أنظمة عربية في دول قومية ذات أيديولوجيا سياسية بسرعة، فإن الممالك القائمة على أساس الدين والتقاليد بقيت مستقرة. هذا بالطبع لا يوفر توقعا للمستقبل، لكنه جزء من منظومة الاعتبارات اللازمة عند النظر في المسألة.
ثالثا، السعودية مصممة على تحقيق توازن استراتيجي مع إيران. من ناحيتها فإن الإذن الأميركي للتخصيب على الأراضي الإيرانية يستوجب وجود منشأة مشابهة على الأراضي السعودية. والقلق هو أن تفعل هذا من خلال شراء "مفاعل تخصيب" صيني أو روسي.
هذا قلق مسنود، وسيناريو محتمل (رغم أن احتمالية تحققه متوسطة). لما كانت السعودية موقعة على ميثاق منع انتشار السلاح النووي، فهي تستحق مشروعا نوويا مدنيا مراقبا. وإذا ما ألزمها الأمر التوقيع على البروتوكول الإضافي (الذي يسمح برقابة اكثر تشددا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية) فهي ستوقع عليه.
إن رفضا أميركيا لإقرار هذا قد يؤدي إلى نتيجة يقام فيها مفاعل تخصيب صيني في السعودية، وبذلك لن نحقق رقابة أميركية، بل سنزيد النفوذ الصيني في السعودية. بسبب هذه الإمكانية ورداً على الخطر الكامن فيها، كتب، مؤخرا، عدد كبير من الخبراء الأميركيين كتابا مفتوحا للرئيس بايدن، ادعوا فيه بأن لدى الولايات المتحدة أدوات إضافية لتمنع الصين من بيع مفاعل تخصيب للسعودية.
إذا كان المقصود هو تأثير الولايات المتحدة بواسطة عقوبات اقتصادية أو عزلة سياسية، جدير الفحص بشكل نقدي لغياب قدرة واشنطن على فرض السلوك المرغوب فيه على لاعبين مارقين كثيرين في العالم. فهل ستتخلى واشنطن عن السعودية بسبب مشتريات قانونية تحت الرقابة؟ مشكوك جدا.
الاستنتاج هو أن المصلحة الإسرائيلية هي منع السعودية وباقي دول الشرق الأوسط من امتلاك سلاح نووي. مفاعل التخصيب بحد ذاته ليس تهديدا، لكن تحوله المحتمل لمشروع نووي هو التهديد الخطير الذي يجب منعه.
وعند فحص إمكانية منع الولايات المتحدة لتحقق مثل هذا التهديد، نجد أنه توجد الكثير من الأدوات الناجعة، وبينها تخصيص الأرض التي تقع عليها المنشأة للولايات المتحدة (مثل سفارة أميركية أو قاعدة أميركية، هذه ارض سيادية أميركية بكل معنى الكلمة)؛ وتفعيل المنشأة من مقاولين يخضعون للرقابة الأميركية؛ وإقامة المنشأة فوق سطح الأرض بحيث إذا تم تحويلها تكون إبادتها من الجو بسيطة؛ وغرس منظومة ذكاء اصطناعي مراقبة على منظومات الحوسبة في المنشأة والتي ستلاحظ في كل حال أي خروج عن المعتاد ستعطل المنشأة فورا دون قدرة تدخل سعودية.
بعد كل شيء، يحتمل أن تكون الجياد فرت من الإسطبل. فالشرق الأوسط من شأنه أن يصل إلى وضع سباق تسلح نووي. إيران دولة عتبة منذ الآن، ومن المعقول أنه إذا ما تحولت إلى نووية فإنها لن تكون الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط ذات قدرة كهذه. في مثل هذه الحالة يجب النظر بجدية في حلف دفاع إسرائيلي – أميركي. حلف كهذا يشكل عامل ردع حيال إيران، يوفر مظلة دفاع نووية مع واجب تعاقدي لتفعيله في حالة هجوم على إسرائيل، ويشكل مبنى إقليميا رادعا اكثر بكثير.

الفيل في الغرفة
إن إقامة منشأة تخصيب اليورانيوم على الأرض السعودية هي بالفعل مخاطرة محتملة، لكن الحديث لا يدور عن موضوع مبدئي بل عن مسألة متعلقة بالسياق. وبالتالي يطرح السؤال: ما هو المقابل؟
إذا كان التطبيع مع السعودية سيتطور إلى اتفاق سلام كامل، ويتضمن عنصرا فلسطينيا عمليا، ملموسا وقابلا للتنفيذ – أي عنصرا يعيد الأمل في مستقبل آخر للسكان الفلسطينيين – فهذه مخاطرة مجدية. يجدر بالذكر، مثلما ثبت في عدد كبير من البحوث في معهد بحوث الأمن القومي: الوضع الاقتصادي الجيد لا يمنع "الإرهاب"، لكن اليأس، وانعدام الأمل في المستقبل، يشكلان عنصرا مشجعا يوسع دائرة "الإرهاب" الفلسطينية.
إضافة إلى ذلك، إذا أوقف العنصر الفلسطيني تدهور إسرائيل إلى واقع "دولة كل مواطنيها" (دولة واحدة يكون فيها لكل مقيم حقوق المواطنة وبالتالي فإنها إما ليست ديمقراطية أو ليست يهودية)، فستكون هذه مخاطر محسوبة وجديرة.

عن "إسرائيل اليوم"