هارتس : لماذا قدم السيسي موعد الانتخابات الرئاسية؟

تسفي-برئيل.jpeg
حجم الخط

بقلم  تسفي برئيل

البيان الذي صدر هذا الأسبوع عن تقديم موعد الانتخابات الرئاسية في مصر لم يكن رصاصة البدء لمعركة الانتخابات فحسب، بل أيضاً لمواجهات متوقعة بين النظام ومن يتحدون عبد الفتاح السيسي. سيطر الأخير بالقوة على الحكم في 2013 وانتخب رئيساً بعد سنة. هو نفسه لم يعلن حتى الآن بأنه سيترشح. ولكن غياب الإعلان الرسمي لم يمنع آلافاً من مؤيديه من الوقوف في طوابير طويلة لملء استمارة التأييد لترشحه. القانون الضبابي في مصر ينص على أن كل من يريد التنافس على الرئاسة مطلوب منه الحصول على توقيع ليس أقل من 25 ألف شخص من أصحاب حق الاقتراع في 15 محافظة أو ليس أقل من 20 عضواً في البرلمان.

ليس للسيسي مشكلة في تجنيد حتى 2.5 مليون شخص مؤيد، وبالتأكيد جميع أعضاء البرلمان في الحزب الحاكم “مستقبل الأمة”، الذي لديه 316 مقعداً من بين الـ 596 مقعداً في البرلمان. وليس هو الأمر لدى خصومه، مثل أحمد الطنطاوي، أو جميلة إسماعيل رئيسة حزب الدستور. هؤلاء قالوا إن رجال الأجهزة الحكومية منعوا مؤيديهم من الدخول إلى مكتب مسجل الأراضي اللوائي لتقديم نماذج التأييد المطلوبة. ومثلما في جولات انتخابية سابقة، فإن مؤيدي مرشحين آخرين حصلوا على “زيارات بيتية” وتهديدات وحتى استدعاء للتحقيق. يبدو أنه لا يوجد لأي شخص في مصر أوهام بخصوص طهارة الانتخابات، التي ستجرى في كانون الأول القادم بدلاً من آذار 2024، أو بخصوص احتمالية استبدال حكم السيسي. حسب تعديلات الدستور التي وضعها الرئيس نفسه، فإنه يمكنه الاستمرار في الحكم حتى عام 2030 إذا فاز في الانتخابات. وهو شرط نظري في حالته.

السؤال هو: لماذا بكّر السيسي موعد الانتخابات في الوقت الذي يسيطر فيه أصلاً بشكل كامل على البرلمان وعلى جهاز القضاء. يبدو أنه يستطيع الآن تمرير أي إصلاح أو تشريع يريده. جواب ذلك موجود في الشارع. يتطلع زعماء ديكتاتوريون إلى استعراض شرعيتهم أمام الجمهور وعرض مظاهر لانتخابات حرة وشفافة، وعرض نظامهم بأنه نظام يحترم حقوق الإنسان ويلوح بـ “إرادة الشعب” الذي انتخبه. الدستور في مصر، في معظمه، كان يمكن أن يطبق في أي دولة ليبرالية. توجد فيه بنود تستوجب الحفاظ على حرية التعبير ومكانة المرأة والحق في التعليم والصحة والعمل، إلى جانب بنود تميز أي دولة يكون فيها الدين والقومية مرتبطين معاً، مثل إسرائيل على سبيل المثال.

لكن معظم البنود لا تساوي الحبر الذي كتبت به. منذ صعود السيسي إلى الحكم، اعتقل نظامه أكثر من 60 ألف شخص لأسباب سياسية. حرية التعبير محفوظة للنظام، ويتم الرد على الانتقاد العام باستدعاء للمحاكمة أو اعتقال بدون محاكمة. تشرف على الحريات أجهزة سياسية رغم أن الدستور ينص على أن الإشراف يجب أن يكون في يد القضاة. أما الطلب الموجود في الدستور، وهو تشكيل لجنة انتخابات مستقلة غير خاضعة للنظام، فلم يتم تطبيقه حتى الآن.

المشكلة الملحة في هذه المرة ليست المكانة البائسة لحقوق الإنسان التي تؤجج غضب الجمهور، بل الأزمة الاقتصادية العميقة التي تغذي الانتقاد والإحباط والتهديد بالخروج إلى الشوارع ورفع الشعارات القديمة من العام 2011 التي أدت إلى إسقاط الرئيس حسني مبارك. السيسي لا يعمى عن رؤية الغضب والضائقة الحقيقيين. ففي خطاباته الأخيرة، دعا المواطنين في مصر قائلاً: “كونوا صبورين”. كان وعد بحياة أفضل، وشرح أن كورونا والحرب في أوكرانيا والأزمة الاقتصادية العالمية هي المذنبة، ليس البيروقراطية أو الفساد أو الإدارة الفاسدة أو التبذير الكبير على مشاريع زائدة.

قبل أسبوعين، وعد بأن تبني الحكومة 100 مدرسة جديدة، قافلة الاستعراض التي جلبت الأعلاف للحيوانات في قرى شمال سيناء، كان يمكن أن تظهر سخاء النظام. ولكن المواطنين لم يشتروا هذه البضاعة، ويجدون صعوبة في تقبل أن مصر تقع على أحد أكبر خزانات الغاز في العالم، تبيع الغاز لأوروبا وتشتريه من إسرائيل. الإنتاج في حقل الغاز “زوهر” آخذ في التضاؤل بسبب الاستغلال الزائد، هذا الأمر أدى إلى تسرب مياه البحر إلى هذا الحقل، الأمر الذي أدى إلى انقطاع الكهرباء المتواتر، التي تتحول إلى تعذيب في أشهر الصيف الحارة جداً. لكن لا يملك السيسي حلولاً فورية لإصلاح الاقتصاد.

صندوق النقد الدولي الذي أقرض مصر 3 مليارات دولار على 8 دفعات، يطالب بإصلاحات هيكلية ومالية كشرط للاستمرار في الدفع. الولايات المتحدة التي جمدت في هذه السنة 85 مليون دولار من المساعدات العسكرية للقاهرة، تطالب بتحسين كبير في مكانة حقوق الإنسان. وأوضحت السعودية أنها لن تحول المساعدات إلا استناداً لتنفيذ الإصلاحات التي طلبها بنك النقد الدولي، الذي لم يحول لمصر حتى الآن إلا الدفعة الأولى البالغة 347 مليون دولار. كان يجب أن تحول الدفعة الثانية بعد زيارة رقابة دورية خطط لإجرائها في آذار. طلب السيسي تأجيل هذه الرقابة للشهر الحالي، لأنه عرف أن تقرير الرقابة سيكشف مدى بعد القاهرة عن خطة الإصلاح، الأمر الذي كان سيعرض استمرار القرض للخطر.

لكن شهر أيلول الحالي انقضى، والآن يريد الرئيس أن تتم هذه الرقابة في نهاية السنة أو بداية السنة القادمة. في هذه الأثناء، يأمل أن يخصخص بعض الشركات الحكومية، ويضخ بضع مليارات الدولارات لخزينة الدولة ويحسن وضع السيولة فيها. ولكن حتى ذلك الوقت، لن تحصل مصر على باقي القرض، بل وستترسخ مكانتها كدولة “خطيرة” بالنسبة للمستثمرين ولمؤسسات التمويل الدولية، خصوصاً بعد أن خفضت شركات التصنيف الائتماني تصنيفها من “ب +” إلى “ب –”.

الوسيلة الأهم التي يطلبها صندوق النقد والتي يوصي بها خبراء الاقتصاد في مصر هي تحريك الجنيه المصري مقابل الدولار، وتحديد سعره بشكل واقعي حسب السوق العالمية. بدأ السيسي قبل سنة في خفض سعر الجنيه، وانخفضت قيمته 50 في المئة. ولكن هذه الخطوة لم تدخل الدولارات إلى خزينة الدولة، احتياطي العملة الأجنبية في مصر يبلغ 35 مليار دولار، 28 ملياراً منها ودائع لدول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، وليس نتيجة التصدير والأرباح الذاتية. التحريك الذي تخشاه مصر سيؤدي إلى خفض آخر، ثم إلى ارتفاع كبير آخر على الأسعار. إضافة إلى ذلك، مطلوب من القاهرة مع هذه الخطوة أن تخفض دعم المواد الأساسية والوقود والغاز بدرجة أكبر.

      عصا في دواليب المساعدات

يجب القول في صالح السيسي إنه الرئيس المصري الأول الذي نجح في خفض، بشكل كبير، دعم الوقود بدون أن يتعرض للمظاهرات الضخمة. هذا ما حدث في مصر والأردن والعراق وإيران عندما اضطروا إلى التراجع عن ذلك خوفاً من فقدان السيطرة. لكن الخطوات التي قام بها السيسي لن تكون كافية، وبقيت كخرقة بالية في الاقتصاد الذي يعاني الدوار. جهود الإنقاذ التي يقوم بها تعرضت لضربة، لم يتبين بعد مدى ضررها، مع توجيه لائحة اتهام ضد رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، بوب مينينديز، اتهم الأخير بتلقي الرشوة في مصر مقابل المساعدة على تحرير أموال المساعدات الأمريكية وترجيح قرارات الحكومة في موضوع صفقات السلاح معها. مينينديز، الديمقراطي والصديق القديم لإسرائيل، يعارض الاتفاق مع إيران بشدة، وهاجم مصر في السابق بسبب خرق حقوق الإنسان فيها. وقد نفى الاتهامات ضده، لكنه علق عضويته شخصياً بشكل مؤقت في رئاسة اللجنة. لائحة الاتهام التي تتكون من 39 صفحة تفصل كيف أنه هو وزوجته قد حصلا على رشوة بمئات آلاف الدولارات، بما في ذلك سيارات فاخرة ومجوهرات.

اتهم مينينديز بعلاقته مع رجال في المخابرات المصرية، من بينهم رئيس المخابرات عباس كامل، ونقل إليهم معلومات حساسة عن جلسات مستقبلية وعن نوايا أعضاء مجلس الشيوخ تجاه مصر. واتهم أيضاً بالعمل على منع تقليص المساعدات الأمريكية لمصر. هذا الاتهام ثار على خلفية كشف “رسالة الأشباح” التي كتبها والتي فيها مبررات لمنع التقليص. هذه الرسالة نقلت إلى مصدر مصري رفيع، الذي بدوره أرسلها إلى أعضاء مجلس الشيوخ وكأنه هو الذي صاغها. في نهاية المطاف، قلصت واشنطن 85 مليون دولار فقط من بين الـ 320 مليون دولار. ولكن تسمع الآن أصوات في مجلس الشيوخ لتقليص المبلغ كاملاً. ومشكوك فيه إذا كانت ستوافق على هذا الطلب. ولكن القضية تلطخ سمعة النظام في مصر، في الوقت الذي هو فيه بحاجة إلى دعم الولايات المتحدة في مجال الاقتصاد، وفي الوقت الذي يستخدم فيه الكونغرس الضغوط حول قضية المساعدات لمصر.

من أجل وضع مصر على مسار إصلاح حقيقي والحصول على باقي القرض من صندوق النقد الدولي وقبولها كمقترضة صادقة في مؤسسات التمويل الدولية، يجب على السيسي أن يواجه الجيش، الذي وقف حتى الآن مثل سور حصين ضد خطط خصخصة شركات مدنية يمتلكها. وتقليص سيطرته على الاقتصاد المصري التي تقدر بنصف الاقتصاد تقريباً. من هنا تأتي الحاجة إلى إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن. مع الشرعية الجماهيرية الكبيرة التي يأمل الحصول عليها، والتي سيفعل تقريباً كل ما في استطاعته من أجلها، يقف السيسي في بداية السنة القادمة مع خطة اقتصادية جميلة، بل عليه أن ينفذ وبحق جزء منها على الأقل.

لا يوجد أي منافسين فعليين له، ومن يصر على التنافس أمامه سيعرف كيفية تحييده سياسياً وجماهيرياً، كما فعل في السابق. الامتحان الرئيسي في الانتخابات سيكون نسبة التصويت، التي هي منذ 2014 آخذة في الانخفاض. في حينه، صوت حوالي 47 في المئة من أصحاب حق الاقتراع. ولكن بعد أربع سنوات، انخفضت هذه النسبة إلى 41 في المئة. يتوقع أن تنخفض أكثر في هذه السنة، ولكن من السابق لأوانه تقدير درجة، وهل ستكون هذه النسبة كافية كي توفر للسيسي الدليل على دعم الشعب له، الدعم الذي سيمكنه من القيام بالإصلاحات الاقتصادية الشديدة التي يجب عليه تنفيذها لإنقاذ الاقتصاد المصري.

 

هآرتس