هارتس : الجذور التاريخية لـ "عادة البصق اليهودبة" على الرموز المسيحية

نير حسون.jpeg
حجم الخط

بقلم: نير حسون



أثار فيلم الفيديو، الذي نُشر، هذا الأسبوع، والذي ظهر فيه شباب يهود يبصقون أمام مسيرة للمسيحيين في البلدة القديمة في القدس، عاصفة كبيرة. أحد الذين ردوا هو اليشع ييرد، المتهم في التورط بقتل الفلسطيني قصي معطان من قرية برقة في آب الماضي. وقال ييرد إن عادة البصق قرب الكنيسة أو امام الرهبان هي "عادة يهودية قديمة جداً".
أثارت هذه التصريحات ضده جمهوراً واسعاً جداً. رئيس الحكومة ورئيس الدولة ورئيس بلدية القدس وحتى وزير الامن الوطني أدانوا ظاهرة البصق وتصريحات ييرد. ولكن ييرد على حق. فهناك لهذه العادة جذور طويلة في في أوساط اليهود الاشكناز. مع ذلك فان الحديث يدور عن عادة مختلفة: كانت العادة الاصلية ترمز الى احتجاج هادئ لاقلية صغيرة ومضطهدة، وكانت تتم سراً. ولكن البصق قرب الكنائس وامام المسيحيين في القدس، الآن، استهدف الاهانة العلنية لمؤمنين ينتمون لأقلية. "هذا لم يكن في أي يوم عادة شائعة"، قال الدكتور امنون رامون، من معهد القدس لابحاث السياسات.
وأوضح رامون بأن "هذا حدث في أماكن معينة، بالاساس في شرق اوروبا وبالسر. كانوا يمرون قرب كنيسة في الليل ويفعلون ذلك دون أن يراهم أحد. هذه عادة ولا توجد أي شرائع دينية في هذا الموضوع". وحسب قوله فان "البصق يعكس مشكلة عدم القدرة على الانتقال من واقع الاقلية المضطهدة التي تحاول تعويض الاضطهاد بوضع فيه الاقلية هي التي تحكم الآن ويتم اختبارها، ضمن امور اخرى، بسلوكها مع الاقليات".
الدكتور يعقوب مورغ، رئيس جمعية لتحديث اللغة الآرامية في إسرائيل باسم "ليشناه"، الذي له علاقات مع الطوائف المسيحية، قال إنه "من الممكن بصعوبة أن يكون لهذه العادة السابقة أي مبرر. وحتى عندها كان البصق لا يتم بشكل تظاهري. ولكن تغيرت اليوم العلاقات. أيها السادة، تحت رعايتنا توجد اقليات يجب علينا حمايتها. في هذا الوضع لا يمكن تبرير هذه الظاهرة".
في المصادر اليهودية يمكن ايجاد أدلة على ظاهرة البصق هذه. في كتاب "المهريل" (معلمنا الحاخام يعقوب ليفي)، وهو كتاب عن عادات اليهود الاشكناز في اوروبا الشرقية، ذكر الكاتب أن الحاخام يعقوب هليفي بن موشيه من فيلنا، تعود على البصق اثناء صلاة "علينا التمجيد" عند ذكر كلمات "الغرور والهراءات". الآن قلائل يفعلون ذلك. ايضا ذكر في "المهريل" بأنه كان من المعتاد البصق عند المرور قرب الكنائس. وحسب اقوال أ. وهو شاب متدين حريدي سابق، فان الحديث يدور عن عادة تختلف كليا عن البصق المتبع اليوم. "عندما كنت اذهب مع والدي وكنا نمر قرب كنيسة كان يعلمني البصق. ولكن هذا كان مثل أن تصرخ "دنس" على السيارات التي تسافر في ايام السبت"، شرح لنا أ. "لا يوجد أي أمر ديني لذلك. هذا عمل تعليمي. أنت تعلم الولد كيف يمقت العمل الغريب. كانت الفكرة فعل ذلك بالسر، وليس بشكل علني تظاهري. كان الهدف ليس اهانة أحد، بل يوجد هدف داخلي وهو أنني أفعل ذلك لنفسي. وحتى لو كنت تقف بجانبنا وتحمل كاميرا لما كنت نجحت بتوثيق هذا البصق".
يبدو أن هذه العادة الاشكنازية القديمة اندمجت بشكل جيد لدى عدد من الذين يبصقون في داخل رؤى دينية جديدة وعدائية اكثر ضد المسيحية. وهي رؤى وجدت تعبيرها في اوساط دينية في إسرائيل. "تغيرت جميع الشرائع تجاه المسيحيين للأسوأ في النصف الثاني من القرن العشرين"، قالت الدكتورة كرما بن يوحنان، من قسم العلوم الدينية في الجامعة العبرية. وقد شرحت بأن من يقومون بالفتوى من الجيل الجديد تبنوا مقاربة الرمبام تجاه المسيحية. وحكمه بأن الامر يتعلق بعمل غريب، خلافا للمقاربات الاخرى التي انتشرت في اليهودية حتى تلك الفترة. هكذا فان تعريف المسيحية تساوق بشكل جيد مع القومية الحريدية المتطرفة والكهانية، التي تؤكد على الحاجة الى استئصال المسيحية من البلاد، الامر الذي دفع الى احراق كنيسة "الخبز والسمك" قرب طبرية في العام 2015 ومهاجمة الكنائس في السنوات الاخيرة.
منذ عشرات السنين يعرف المسيحيون والرهبان عن قرب عادة البصق ويعانون منها. ورغم ادعاء الشرطة حول الصعوبة في تقديم من يقومون بالبصق للمحاكمة، كان في السابق عدة حالات تقديم للمحاكمة بتهمة البصق. مثلا في 1995 تم تقديم لائحة اتهام ضد شخص بصق على مسيرة للمسيحيين في حي الأرمن في القدس. وقد حكم عليه بالسجن شهرين ودفع غرامة بمبلغ 750 شيقلا. في الالتماس الذي وصل الى المحكمة المركزية ادعى محاميه، نفتالي فيرسبرغ، بأن حرية التعبير تعطي الشخص الحرية في البصق، حتى على مسيرة رجال دين يحملون الصليب. وقال بأنه لا يمكن تجاهل العادة السائدة في اليهودية، التي بحسبها من المفروض على اليهودي أن يقوم بالبصق عندما يمر من أمام كنيسة أو عندما يشاهد الصليب. مع ذلك، رفض قضاة المحكمة المركزية هذا الادعاء.
في العام 2004 بصق فتى من المدرسة الدينية هار هامور على بطريرك الارمن اثناء مسيرة في البلدة القديمة في القدس. قام البطريرك نورهان ميلوغيان بصفع هذا الفتى، وقامت الشرطة باعتقاله للتحقيق معه. بعد ذلك تم عقد لقاء مصالحة اعتذر فيه حاخامات المدرسة الدينية، وهي من اكبر المدارس الحريدية القومية في إسرائيل، من البطريرك وقالوا إنهم لا يعلمون طلابهم هذه العادة.
في العام 2011 برأ قاضي محكمة الصلح في القدس راهبا يونانيا ضرب شابا يهوديا قام بالبصق عليه. "لا نتحمل اهانة رجل دين مسيحي بسبب دينه، بالضبط مثلما أنه من غير المحتمل أن يهان أي يهودي لكونه يهودياً"، كتب القاضي واضاف بأن السلطات لا تنجح في علاج هذه الظاهرة. "من يقومون بالبصق لا يتم اعتقالهم ولا تتم معاقبتهم على افعالهم. لا يدور الحديث عن ظاهرة جديدة، بل عن ظاهرة توجد منذ سنوات. من يقومون بالبصق لا يتجاوزون فقط القانون أو يمسون بضحاياهم، بل هم يمسون بنا جميعا، بصورتنا وبالسياحة وبقيمنا". لذلك فقد قرر القاضي تبرئة الراهب بذريعة الدفاع عن العدالة.
رغم أن هذه الظاهرة غير جديدة إلا أنها تغير طابعها، وقد اصبحت شائعة واكثر شدة. التطور الاكثر أهمية في السنوات الاخيرة هو امتداد هذه الظاهرة في الحي الاسلامي. في السابق من عانوا من البصق كانوا اعضاء كنيسة الأرمن التي تقع قرب الحي اليهودي. في السنوات الاخيرة اتسعت هذه الظاهرة ووصلت الى طريق الآلام الذي يمتد من باب الاسباط الى كنيسة القيامة، والذي يمر في معظمه في الحي الاسلامي. في هذا المسار يسير مئات آلاف المصلين كل سنة، ومع ازدياد التواجد اليهودي الديني في هذه الاماكن ايضا اصبحوا ضحايا للبصق.
الفيلم الذي اشعل الدولة، مؤخرا، تم توثيقه في شارع باب الاسباط اثناء مسيرة باسم "جولة حول البوابات". ازدادت هذه المسيرات في السنوات الاخيرة في اوساط الحريديين القوميين والحريديين، ردا على الحركات التي تقوم بزيارة الحرم. تجري هذه المسيرات حول الحرم وبعد ذلك يتم اجراء صلاة على بوابات الحرم. على الاغلب تحدث هناك احتكاكات واستفزاز لعابري السبيل المسلمين والمسيحيين. عشية عيد "يوم الغفران" تم توثيق مجموعة من اليهود وهم يصلون ويغنون في المقبرة الاسلامية باب الرحمة، ايضا هذا كان في اطار جولة البوابات.
ايضا التوقيت في هذه السنة توجد له أهمية. فالاعياد اليهودية تعتبر مناسبة للقيام بأعمال الشغب في كل ما يتعلق بالبصق، خاصة في عيد المساخر الذي يمتنع فيه الكثير من المسيحيين عن الخروج الى الشوارع كي لا يتعرضوا للبصق وللعنف.
في أعقاب العاصفة التي ثارت، مؤخراً، سارع حاخامات الصهيونية الدينية الى ادانة من قاموا بالبصق، وطالبوا بالكف عن هذه العادة. الحاخام شلوم افنر، وهو من رؤساء التيار الحريدي الوطني والأب الروحي لحاخامات المستوطنين في شرقي القدس وهو نفسه يعيش في البلدة القديمة، كتب، أول من أمس: "لا توجد أي فريضة تقول بأنه يجب البصق على عبدة الاوثان، ولا يوجد أي حكم لذلك، سواء في القماره أو من قبل الرمبام أو في "شولحان عاروخ". لو أن البصق على عبدة الأوثان يلغي عبادة الاوثان لكان هذا شيئا مهما. ولكن هذا العمل لا يساعد في شيء. هو فقط يخلق الخلافات والعداء ونحن نخسر من ذلك. نحن بحاجة الى تعليم الاولاد بأن يتصرفوا بشكل محترم".
حنه بيدونفسكي، وهي مرشدة سياحية وباحثة في شؤون المسيحية القديمة من القدس، احتجت على مجرد إجراء النقاش حول الجذور التاريخية لهذه العادة. "من المحظور إجراء هذا النقاش. اذا كنت تعارض المسيحية فاحتفظ بالبصاق في فمك. يعطي النقاش الشرعية لمسألة هل من المشروع البصق. النقاش يجب أن يكون حول سلوك بربري في القرن الواحد والعشرين"، قالت.

عن "هآرتس"