أسئلة الحرب (9)

تنزيل (5).jpg
حجم الخط

بقلم حسن خضر

 

 


نصل، في سياق الكلام عمّا قلب حدث المحكمة من طاولات، إلى العالم العربي. وما يجدر ذكره أن الكلام يدور عن كينونة سيئة التعريف تصطدم التصوّرات الأيديولوجية عنها بحدودها السياسية، وماهيتها الثقافية والسياسية، على الأرض، لا في الشعار. وهذا ما نجم عنه فرض التلفيق على، ودمجه في، بنية التصوّرات ذات الصلة، وعرقلة كل محاولة محتملة لإنشاء علاقة سوية بالواقع، وبين "العرب" أنفسهم.
وإذا كان ثمة من حاجة للتمثيل والتدليل، فلن نحتاج إلى أكثر من العبارة الشائعة "أمة عربية واحدة، ذات رسالة خالدة"، التي تختزل بكفاءة نادرة ما ذهبنا إليه في الفقرة السابقة، والتي لا تُلغي تباين خصوصيات جغرافية، وتاريخية، وسياسية نشأت على مدار قرون وحسب، بل وتضفي على المتعدد، وقد طوّبته واحداً، وهم القداسة، أيضاً.
لا نسوق هذا المثل في معرض نقد الظاهرة القومية، بل كمقدمة لا غنى عنها لفهم: أولاً، مصادر إحساس الفلسطينيين، في زمن النكبة الثانية، بخيبة الأمل. وثانياً، مصادر إحساس ما لا يحصى من مواطني الحواضر العربية بالغضب، والخجل من حكوماتهم التي لم تهب لنجدة الفلسطينيين. وثالثاً، مصادر التمييز بين الشعوب والحكومات.
المصادر حقيقية، وذات أبعاد ودلالات تاريخية، بقدر ما يتعلّق الأمر بالكتل الحضرية والحضارية الشامية والمصرية والعراقية والمغاربية واليمانية، وقد سبقت "الأمة" الواحدة بقرون طويلة وكثيرة، وستبقى بعدها بقرون طويلة وكثيرة. فالمشكلة ليست هنا، بل فيما أنجب الفراغ من بلاغة، نتيجة عدم بلورة وتطوير نظريات واستراتيجيات لمعنى وخصوصية واكراهات الأمن القومي، الجغرافية، والاقتصادية، والعسكرية، على ضوء عِبر الماضي، وظروف الحاضر، وطموحات المستقبل، بالنسبة لكل دولة حديثة نشأت ضمن الكتل المعنية.
كان في أمر كهذا ما يمكّن من صياغة العلاقة بين تلك الدول والمسألة الفلسطينية بما يتجاوز بلاغة الأمة الواحدة، و"تجليسها" على، واستناداً إلى، قواعد وحسابات الجغرافيا والاقتصاد والحرب. ولم يكن هذا ليتأتى، أيضاً، بالمعنى النظري ودلالته الاستراتيجية، دون إدراك لمعنى إنشاء دولة إسرائيلية، تزعم أنها أوروبية، في بلاد الشام.
وقع أمر كهذا في مصر الناصرية، وصاغه جمال حمدان بطريقة لا لبس فيها: قاتلت مصر في فلسطين دفاعاً عن مصر نفسها، وعن أمنها القومي، في المقام الأوّل. ولكن هذه الفكرة، وما يدخل في حكمها، أُخرجت من التداول منذ زمن بعيد. والصحيح أن بلاغة المشاعر العروبية القومية في الحواضر العربية، بطريقة تتفاوت من مكان إلى آخر، ومع اختلاف المراحل، كشفت شيئاً، وأخفت شيئاً آخر.
كشفت مسعى أنظمة مختلفة وكثيرة لتحويل الموقف من المسألة الفلسطينية إلى مصدر لاكتساب، أو تعزيز، شرعيتها السياسية. ناهيك، طبعاً، عمّا تستدعي مشاعر التضامن مع، والشفقة على، شقيق في ضائقة، من مشاعر الرضا الذاتي. وفي السياق نفسه، أخفت حقيقة أن الاستثمار في البلاغة العروبية يتناسب طردياً مع فشلها في صياغة نظرية خاصة لأمنها القومي.
والآن، مع هذا في البال، فلنذكِّر بفكرة فائقة الأهمية، وإن كانت لا تحرّض، في الغالب، وقبل مرور وقت طويل، على استخلاص دروس وعبر. المقصود أن الحروب معامل إنسانية دامية ودموية لاختبار أفكار وفرضيات وفلسفات، منها ما يسقط صريعاً في الميدان، وما يخرج من الميدان بجراح بليغة، قد يشفى ولا يشفى، ومنها ما يُولد، ويصعب التعرّف عليه، ولا حتى ملامحه النهائية بعد البلوغ.
مَنْ تصوّر أن حرب 1973 فتحت الطريق للقفزة الفلكية في أسعار النفط، وخدمت المد الساحق للوهابية؟ من تصوّر انسحاب مصر الانتحاري من دورها الإقليمي؟ ومَنْ تصوّر أن حركة الحقوق المدنية، والثورة الطلابية في الغرب، ولدتا من رحم حروب بريطانية وفرنسية وأميركية خاسرة في مصر والجزائر وفيتنام؟ ومَنْ تصوّر أن الهزيمة الحزيرانية فتحت أفقاً جديداً لصعود الحركة الوطنية الفلسطينية؟
على أي حال، لا يبدو من قبيل المجازفة القول: إن ثمة ما يحتضر، وما أصيب بجراح قد تقتله أو تشفيه، وثمة ما يُولد، في الحواضر العربية، في سياق الحرب الدائرة الآن (نُضيف إليها حروب الثورة المضادة، بعد اندلاع الربيع العربي، والمستمرة حتى يوم الناس هذا) مع ملاحظة أن الحروب المعنية، لم تضع أوزارها، ولا نتائجها النهائية، بعد، وقد لا نعرف حقيقة ما مات، أو جرح، أو وُلد، ولا ما يترتب على احتمالات كهذه من نتائج تنعكس على الأفكار والواقع، في وقت قريب.
ومع ذلك، لا يبدو من السابق لأوانه القول: إن شيئاً ما في الحرب على غزة يبدو قابلاً للتشخيص بقدر من الموضوعية. فعلى الرغم من البلاغة العروبية، التي صارت محسوبة بقدر أكبر من الاقتصاد العاطفي، والسياسي (لتفادي ورطة محتملة مع الإسرائيليين والأميركيين) تحاول حكومات مختلفة في الحواضر العربية التدليل على حضورها السياسي، وفعاليتها في الإقليم، لا بالانحياز إلى الفلسطينيين (كما يقتضي الواجب القومي) بل بالوساطة بينهم وبين الإسرائيليين.
يترافق فعل الوساطة: (1) مع إحساس مُفزع لدى أعداد يصعب حصرها من مواطني الحواضر لحقيقة أن بلادهم تبدو عاجزة تماماً و(2) أن العلاقة الفعلية لحكوماتهم بإسرائيل أشد متانة في الكواليس مما يبدو منها تحت الضوء (3) ويتفاقم الأمر مع إدراك أن ما يعاني منه الفلسطينيون كارثي فعلاً (بمعايير وحسابات إنسانية ما فوق قومية ودينية) وان ما يفعله الإسرائيليون فاحش وظالم فعلاً. هذا هو الجديد، ولا يصعب اكتشاف سماته العامة، خاصة بعد رفع جنوب أفريقيا لقضية الإبادة، رغم انتفاء دافعي "القومية" و"الدين".
موضوعنا القادم عن سر الإبراهيميين، مَنْ "طبّع"، ومَنْ لم يفعل بعد، و"مقاومات" عراقية، ويمانية، ولبنانية، التحقت بالحرب. فاصل ونواصل.