جبهة جنوب لبنان: ما هي احتمالات الانفجار الكبير؟

D2EE8231-76C0-4BE1-866C-C276BEEBC922-e1601304572733.jpeg
حجم الخط

بقلم عبد المجيد سويلم

 

 


إذا ما كانت إسرائيل ستتعامل مع الهجوم الذي شنّه "حزب الله" على الثكنة العسكرية في صفد باعتباره خرقاً كبيراً لقواعد الاشتباك، وإذا اعتبرت أنّها باتت "طليقة" اليدين بمهاجمة أهداف مدنية في الجنوب اللبناني، وربّما في مناطق خارج نطاق الجنوب، فإنّ "حزب الله" لن تكون ردوده مقتصرة على الأهداف العسكرية، والتي ظلّت حتى الآن هي المظهر السائد في استهدافات الحزب.
إذا سارت الأمور على هذا المسار فإنّ إمكانية تدحرج القتال إلى الحرب الشاملة ستكون كبيرة.
أمّا إذا حاولت إسرائيل أن تركّز على البنية العسكرية، وكذلك بعض المرافق التابعة للحزب على هيئة بنى تحتية مدنية فإنّ إمكانية وقف هذا التدحرج نحو الحرب الشاملة ستظلّ قائمة، وقابلة للكبح، وقابلة لإبقائها تحت درجة معيّنة من السيطرة، حتى لو أنّها وصلت إلى مستويات أعلى من أيّ مرحلة من مراحل الاشتباك على جبهة الجنوب.
هذا من جهة، أمّا من جهة أخرى فإنّ حسابات أخرى كبيرة، وعلى درجةٍ عالية من الحساسية ستدخل في الاعتبارات الإسرائيلية، تماماً كما ستدخل اعتبارات خاصة، بردود ووتائر الوجهة التي سيتبعها الحزب.
وفي الحسابات الإسرائيلية هناك عدّة اعتبارات خاصة: الاعتبار الأوّل، هو أنّ ارتفاع وتيرة الاشتباكات دون الوصول إلى الحرب الشاملة لن يحلّ مشكلة إسرائيل الخاصة بالمهجّرين، والذين تقرّ بأنّهم فاقوا عدد المئة ألف، في حين تؤكد مصادر إسرائيلية أخرى أنّهم وصلوا إلى ما يقارب الربع مليون مهجّر.
أقصد أنّ استمرار الاشتباكات، وبوتائر أعلى من الوتيرة السابقة سيفاقم هذه المشكلة، وسيلقي بظلاله على "مكانة" الحكومة الإسرائيلية في نظر المجتمع الإسرائيلي، وسيأخذ الجدل حول هذه المشكلة أبعاداً سياسية واقتصادية واجتماعية جديدة قد تسرع في أزمة الحكومة، وتفاقم من قدرتها على التعامل مع النتائج التي ستترتّب على الواقع الجديد.
أمّا الاعتبار الثاني والكبير، أيضاً، فإنّ تردّد "حزب الله" في التحوّل السريع نحو الحرب الشاملة، والحذر الإسرائيلي، أيضاً، من الوصول إليها بصورةٍ متسارعة سيعيد موضوعياً النقاش والجدل لمسألة صفقة التبادل، وعلى غير الاتجاه الذي ترغب به الحكومة الإسرائيلية.
أي أنّ احتمالات التصعيد نحو الحرب الشاملة على جبهة الجنوب ستعني بالضرورة إغلاق ملف الصفقة مع حركة حماس، وربما التورّط في فتح متهوّر لمعركة رفح، وهي أمور قد تصل إلى اهتزازات كبيرة على مستوى كامل الإقليم.
فهل حقّاً تريد إسرائيل أن تصل بالأمور إلى هذا الحدّ، وهذا المستوى؟ أم أنّ حساباتها ستجبرها على عدم المخاطرة؟
واضح تماماً أنّ "حزب الله"، وبعد أن رفض كلّ محاولات "الغرب" للخروج من كامل الاشتباك، وعدم ربط مصير هذا الاشتباك بمصير القتال في القطاع، وقد شملت هذه المحاولات على ما يبدو إغراءات سياسية واقتصادية كبيرة.. بعد ردّ "حزب الله" على تلك المحاولات فإنّ رسالة الحزب قد عادت لتفرض نفسها بقوّة على القتال في قطاع غزّة، ليس باستمرار الاشتباك، وارتفاع منسوبه فقط على جبهة جنوب لبنان، وإنّما ــ وهذا هو الأهمّ والأخطر ــ استعداد الحزب للدخول في حربٍ شاملة، إذا ما "أُجبر" على ذلك، وإجبار الحزب للذهاب إلى هذه الحدود بات معروفاً ومعلناً، ولم يعد مجرّد تخمينات وتقديرات وتوقعات، لأنّ معنى هذا الإجبار بات محصوراً في عدم هزيمة المقاومة في القطاع، ومنع دولة الاحتلال من أن تحقّق نصراً فيه.
والحزب في هذه المسألة ينطلق ليس فقط من المبادئ، وإنّما من المصالح، أيضاً.
وهنا المسألة لا تحتاج إلى أكثر من رؤية أنّ الحزب سيكون "الضحية" الأولى والمباشرة للانتصار الإسرائيلي في القطاع.
ولذلك فإنّ معادلة الهدف العسكري مقابل الهدف العسكري، والأهداف المدنية يقابلها أهداف مدنية، والبنى التحتية سيقابلها بنى تحتية باتت هي المعادلة الوحيدة.
فإمّا أن تقبل إسرائيل هذه المعادلة، وإمّا أن تذهب إلى الحرب الشاملة على لبنان، وفي هذه الحالة عليها أن تستعدّ لحربٍ قاسية وعالية التدمير وباهظة الخسائر والأضرار.
وهنا تكون إسرائيل قد خسرت كلّياً قدرتها على الردع، ويتحوّل الردع الذي طالما كانت تهدّد به إلى أكبر أزمة لإسرائيل من زاوية الردع بعد الاهتزاز الكبير الذي أصاب هذا الردع منذ 7 أكتوبر/ تشرين الأوّل. وهذا هو الاعتبار الثالث على هذا الصعيد.
تدرك إسرائيل جيّداً هذه المعادلة، وهي أمام خيارات صعبة، وحسابات في غاية الدقّة والتعقيد، والأمر نفسه ينطبق على "حزب الله"، وربّما بمقاييس أكبر من زوايا معيّنة، لكنّ الأمر المؤكّد أنّه قد تمّ حسم جملة من الحقائق والوقائع الجديدة في ضوء التصعيد الأخير.
لقد حاولت إسرائيل أن تتفادى صورة (الدولة المردوعة)، وحاولت أن تقحم الولايات المتحدة في حربٍ واسعة على مستوى الإقليم حتى تخفي فشلها في القطاع، وتحوّله إلى جزءٍ من حالة حربٍ شاملة، وليس كحالة فشل خاصة بإسرائيل، وحاولت بوساطة الوسطاء "الغربيين" أن تحوّل مشاركة ومساندة "حزب الله" للمقاومة في القطاع إلى "شكلٍ" يمكن التعايش معه، وتفادي تصعيده، وحاولت أن تستخدم مناورة الاغتيالات والتدمير المدروس للضغط على الحزب مع نفس وذات محاولات "الإغراء" التي حملها الوسطاء لكنها لم تحقق أي نجاح يذكر.
استطاع الحزب بذكاء ــ كما أرى ــ أن يعيد الكرة إلى الملعب الإسرائيلي.
عليها أن تحدّد فيما إذا كانت راغبة، وقادرة على الذهاب إلى حربٍ شاملة، مع كامل كلفتها، أو قبول الواقع باستمرار الاشتباك وتصعيده، وإبقاء معادلة الاشتباك محكومة بالاعتبارات التي حدّدها الحزب، وهي مسألة منع انكسار المقاومة في غزّة، ومنع الانتصار الإسرائيلي هناك.
واستطاع الحزب أن يحوّل الضغوط التي مورست عليه حتى الآن إلى ضغوط مقابلة، إذ يراهن الحزب ــ على ما يبدو ــ على أن يلعب هذا التصعيد دوراً جدّياً بقبول إسرائيل لصفقة التبادل بالشروط التي طرحتها المقاومة أو بعد إجراء بعض التعدّيلات البسيطة والمحدّدة عليها.
وأظنّ أنّ الحزب يراهن، أيضاً، على تفاقم غير مسبوق للأزمة الداخلية في إسرائيل بعد أن تتحوّل مسألة مهجّري المستوطنات الحدودية الشمالية إلى حالةٍ غير قابلة للحل بمعزل عن وقف إطلاق النار، والذي وحده يمكن أن يباشر بحلّها.
تحاول إسرائيل أن تخرج من أزماتها، ولكنّها ما إن تحاول الخروج من واحدة حتى تدخل في أزماتٍ جديدة.
يحدث كلّ هذا لأنّها ما زالت غير قادرة على استيعاب الصدمة، وما زالت تعتقد أنّها كلّية القدرة، وكاملة الأوصاف في مسألة الردع، ويمكنها الحسم بالسرعة والزمان والمكان الذي تختاره. وعندما تفكّر أيّ دولة بهذا المنهج، وبهذه العقلية فإنّها تحتاج إلى وقتٍ طويل قبل أن تشفى من أمراضها، وقبل أن تستفيق من غيبوبتها.