غزة تحت رحمة قطيع من الذئاب

تنزيل.jpg
حجم الخط

بقلم: هاني عوكل

 

 


منذ عملية طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول الماضي وحتى هذه الساعة، لم تتمكن القوى الدولية من إيجاد خارطة طريق للتعامل مع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ووقفها، ووقف سياسة التجويع والتركيع التي يمارسها الاحتلال ضد فلسطينيي القطاع.
في هذا العالم الرأسمالي حيث تسيطر سياسة المصالح على أي سياسة أخرى، تذهب كل المعايير الأخلاقية وما يسمى احترام حقوق الإنسان وحق الشعوب في تقرير مصيرها والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، تذهب كل هذه القيم والمصطلحات أدراج الرياح.
أن يفشل مجلس الأمن الدولي الذي تتصل مهامه بحفظ السلم والأمن الدوليَّين في وقف العدوان الإسرائيلي على غزة، وأن تدار المعارك في أروقته بسلاح «الفيتو» وسياسة تصفية الحسابات الدولية والإقليمية، كل ذلك بالتأكيد مرده لشكل النظام الدولي الذي يعطي أحقية سيطرة اللاعبين الدوليين الكبار على الدول الأقل منهم شأناً.
منذ زمن طويل والولايات المتحدة الأميركية تقف مع إسرائيل بـ»الباع والذراع»، وتعتبرها الشريك الإستراتيجي الأهم في العالم، وتقدم لها كل أشكال الحماية والرعاية، حتى تبقى إسرائيل قوة إقليمية وخنجراً في خاصرة الوطن العربي، والأداة التي تمارس من خلالها واشنطن نفوذها في الشرق الأوسط.
ما يحدث في قطاع غزة من استهداف مباشر لمواطنين عزل وقصف عشوائي يطال الجميع صغاراً وكباراً، لم يحرك ضمير العالم الذي يبحث عن مصالحه، باستثناء بعض الدول العربية والأجنبية التي تنادي بوقف العدوان ومع الأسف لا تمتلك تأثيراً على المسرح الدولي.
الصين حالها كحال روسيا منشغلتان في قضايا إستراتيجية، إذ تجد الصين أن مصلحتها تكمن في عدم الانخراط المباشر في هذه الحرب، وعدم استفزاز الولايات المتحدة وتركها منشغلة في هذا المعترك، وأن تركز الصين على قضايا تعتبرها أهم مثل توسيع نفوذها في بحر الصين الجنوبي.
كذلك الحال روسيا التي تبدي انزعاجاً من استهداف إسرائيل للمواطنين العزل وموافقتها على مبدأ حل الدولتين وإحقاق الحقوق للفلسطينيين، فإنها منشغلة في حربها مع أوكرانيا ولا ترغب في الانخراط المباشر بالحرب الإسرائيلية على غزة.
هي تريد الاستفراد بأوكرانيا في ظل التوترات الإقليمية والدولية الحالية، ومع أنها تحاول التوفيق بين الفلسطينيين بشأن مستقبل الحكم، إلا أنها لم ولا تريد أن تضع كل ثقلها في إنهاء الحرب، لأن النتيجة ستكون خسارة علاقتها بإسرائيل وزيادة معاداة واشنطن وحلفائها الأوروبيين.
فرنسا وبريطانيا العضوان الدائمان في مجلس الأمن الدولي، لا تمتلكان حق استخدام «الفيتو» إلا إذا وافقت الولايات المتحدة. والاتحاد الأوروبي منقسم في الرأي بين دول تنادي بوقف العدوان الإسرائيلي وأخرى تتطابق مواقفها مع إسرائيل لجهة استمرار الحرب كما هو حال ألمانيا.
حتى أن إسرائيل تستعد لتوسيع عدوانها باتجاه رفح جنوب قطاع غزة، ولا أحد في العالم يوجه رسائل قوية وشديدة اللهجة تمنع الاحتلال من فعل ذلك، وما يصدر عن الدول لا يتجاوز في كونه مخاوف من حصول كوارث إنسانية بسبب وجود حوالى 1.4 مليون فلسطيني هناك.
المشكلة، كل المشكلة، في الدول العربية التي بضعفها جعلت إسرائيل تستأسد وتستفرد بالقضية الفلسطينية، وراحت هذه الدول فرادى تبحث عن تحالفات مع قوى إقليمية ودولية لحماية أنفسها وتناست سياسة «أُكلت يوم أُكل الثور الأبيض».
مجلس الأمن لن يحل مشكلة الفلسطينيين طالما هناك تباين في مواقف دوله دائمة العضوية، وطالما تقف الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا على نقيض من الصين وروسيا في عناوين كثيرة، لذلك يمكن القول: إن مجلس الأمن هو من يهدد السلم والأمن الدوليين وليس صاحب الحل.
نعم هو المهدد، والتاريخ يشهد كم تعمقت الحروب وطال عمرها لأن مجلس الأمن عجز عن تبني قرارات جماعية، إذ بات من الضروري الحديث عن إصلاح فوري لهذا الجسم المتهالك بحيث يستجيب للضمير والعدالة الإنسانية.
من غير المعقول أن تتحكم دولة واحدة فقط بمصير العالم، حين تقرر رفع «الفيتو» كما حصل قبل عدة أيام مع الولايات المتحدة الأميركية التي استخدمت هذا «الكرت» الأحمر لإفشال مشروع قرار يدعو إلى هدنة إنسانية مستعجلة في قطاع غزة.
بسبب المظلة الأميركية، والضعف والانهزام العربي، تفعل إسرائيل ما تريد وترتكب المجازر وتدرك أنها ستفلت من العقاب، طالما تتحرك الدول وفق مصالحها الشخصية، وطالما هناك مجلس أمن دولي كسيح ووظيفته مصادرة بحق خمس دول هي الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.
لو أن العرب متفقون فيما بينهم ومجتمعون على قلب رجل واحد، لم تكن إسرائيل لتتجرأ على ارتكاب هذه الجريمة، ولكانت واشنطن فكرت ألف مرة قبل معاداتهم إذا كان الأمر سيزعزع مصالحها، لكن الواقع غير ذلك، و»العرب عربين وثلاثة وأربعة»!