فلسطين دولة دون سيادة

تنزيل (4).jpg
حجم الخط

بقلم د ناجي صادق شراب

الحق في قيام الدولة مثبت تاريخيا بالتواجد المستمر والغير منقطع بين الشعب الفلسطيني وأرضه التي لم يتخلى عنها ويهجرها على مدار ألآف السنيين، وبمقاومته المتواصلة ورفضه للإحتلال وهذا أساس الحق التاريخى. ومثبت أيضا في القرار الأممى رقم 181 والذى شكل أساسا ومنفذا لإسرائيل كدولة لأن الحق في الدولة الفلسطينية يسبق هذا القرار ومع ذلك وفى ضؤ التطورات السياسية القائمة يشكل أيضا ألأساس لقيام الدولة الفلسطينية والتي بموجب هذا القرار تشكل حوالي 44 في المائة من مساحة فلسطين مع القدس تحت الوصاية الدولية. ومع القرار رقم 242 الشهير والذى يقر عدم شرعية ضم أى أراض بالقوة وهو ما يعنى أن كل الأراضى التي ضمتها إسرائيل ومستوطناتها تعتبر غير شرعية، إلى جانب العديد من قررات الشرعية الدولية، وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. خلاصة القول هنا أن الفلسطينيين لا تنقصهم الأسس القانونية ولا الدولية ولا التاريخية في حقهم في قيام دولتهم.

 

والسؤال هنا ما الذي أعاق ويعيق قيام هذه الدولة ؟والإجابة في كلمات موجزة الاحتلال الإسرائيلي المستمر، ورفض إسرائيل المطلق لقيام دولة، بحجة أن فلسطين كلها دولة لليهود، وهذا ما كان يمكن ان يتحقق لولا الدعم البريطاني تاريخيا ووضع إنتدابها في خدمة هدف قيام هذا الوطن، تنفيذا لوعد بلفور وهو ما حققه القرار المذكور، وما كان يمكن ان يستمر ليومنا هذا رغم الدعم والحماية الكاملة للولايات المتحده وممارسة حق الفيتو للحيلولة دون قيام الدولة الفلسطينية، وتوفير الغطاء والحماية لتمدد إسرائيل وإحتلالها لكل الأراضى الفلسطينية.

 

هذا ورغم الإعتراف من قبل منظمة التحرير بإسرائيل وفقا لإتفاقات أوسلو عام 1993 وهو الإعتراف الأساس لشرعية إسرائيل بخلاف اى إعتراف آخر مقابل دولة فقط على مساحة 20 في المائة بتنازل ما يقارب من 25 في المائة من القرار الأممى 181، ورغم كل هذه المعطيات إستمرت إسرائيل في إحتلالها وضمها لآراضي الدولة الفلسطينية . ومن ناحيته الشعب الفلسطيني لم يستسلم ولم يوقف نضاله السلمى وحتى العسكري الذى يقره القانون الدولي، وهذه المقاومة أساس لرفض الاحتلال وكل ما ترتب عليه من تداعيات وتغيرات على الأرض، ويكفى لمنظمة التحرير كما أعترفت أن تسحب إعترافها وتذهب للأمم المتحده وتطالب برفع مستوى الدولة من دولة مراقب إلى دولة كاملة العضوية تحت الإحتلا ل وتفعيل المسؤولية الدولية، ومن ناحية أخرى ان قيام إسرائيل وقبولها عضوا كان مشروطا بعودة اللاجئيين وقيام الدولة الفلسطينية، وهذا يشكل أساسا قويا لإسقاط عضوية إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحده. 

 

وتملك المنظمة أيضا حق الغاء إتفاقات أوسلو وإعلان مرحلة الدولة الفلسطينية، وكلها خيارات ومقاربات قويه لتنزع عن إسرائيل أسس الدولة في الأمم المتحده.

 

واليوم ومع حرب غزه والمختلفة عن كل الحروب السابقة والهدف الرئيس لها بإلغاء القضية الفلسطينية وغلق ملف وكالة الغوث، وما ترتب عليها من إبادة شاملة وذهاب لمحكمة العدل الدولية وتداعيات توسعها وإمتدادها إقليميا وتعريض فرصة السلام العربية الشاملة للخطر، ذهبت الولايات المتحده وبريطانيا وتحت ضغط عربي لتجديد الحديث من جديد عن الإعتراف بالدولة الفلسطينية، وهنا التساؤلات عن ماهية الدولة ومقوماتها؟ وهل هي دولة بالمعنى التقليدي لأدبيات الدولة بتكامل عناصرها الثلاث الإقليم والشعب والسيادة، وهذا المعنى التقليدي مستبعد تماما لأن الحديث عن الإعتراف بالدولة لا يخرج عن المعنى اللفظي البروتوكولى اى دولة شكلية بدون ان يكون لها ممارسة سيادية كاملة على أراضيها، ودولة منزوعة السلاح بالكامل، وفقط دولة بالمعنى ألأمنى الذى يحفظ الأمن ويحول دون أي مقاومة لإسرائيل، ودولة لا تمارس سيادتها الكاملة على مواردها الاقتصادية، ودولة مثقوبة متناثره تحتويها المستوطنات المنتشرة في قلب الأراضي الفلسطينية، ورغم كل هذه التوصيفات فإسرائيل ترفض مجرد الحديث عن الدولة بمفهومها القانوني، لأن مجرد الإعتراف بالدولة الفلسطينية يعنى سقوطا لكل مقولات الحركة الصهيونية في قيام وطن قومي لكل اليهود في كل فلسطين، والحيلولة دون تحقيق فكرة إسرائيل الكبرى، ومجرد قيام الدولة الفلسطينية يتطلب أولا تفكيكا للمستوطنات القائمة في ألأراضى الفلسطينية، ويتطلب موقفا يتجاوز الإعتراف اللفظي الذى تتردده الإدارة ألأمريكية وبريطانيا، والأهم يعنى نهاية للإحتلال الإسرائيلي وحلا عادلا لمشكلة اللاجئيين واحد اهم الخيارات حق عودتهم للدولة الفلسطينية في حال قيامها.

 

كل هذا سيشكل تحديا كبيرا أمام إسرائيل التي تربط مستقبلها وبقائها بعدم قيام الدولة الفلسطينية. ويبقى أن التحدي والعائق الأكبر أمام الدولة الفلسطينية الحكومة اليمينية في إسرائيل، ورفض إسرائيل المطلق للدولة الفلسطينية، ويبقى سؤال الدولة الفلسطينية قائما ويشكل تحديا للسلام والأمن إقليميا وعالميا ومن ينتصر الإرادة الدولية أم إرادة القوة التي تمثلها إسرائيل؟ والدولة ليست منحة تمنح بل تنتزعها قوة الحق الفلسطينية.