غزة ومؤامرة العصر

xJUE7.jpeg
حجم الخط

الكاتب: سنية الحسيني


 

يقع الإعلان الأميركي الذي جاء مؤخراً حول إرسال سفينة بحرية لإنشاء ميناء مؤقت في غزة لأهداف إنسانية في دائرة كبيرة من الشك. لا ينبثق ذلك الشك فقط من حيثيات إنشاء ذلك الميناء وجدواه، بل يرتبط بمعطيات تصاحب تلك الفكرة الغريبة. وإن حلّ اليقين مكان الشك حول الهدف الحقيقي من هذه المبادرة الأميركية لتشييد ذلك الميناء، يعني أن الفلسطينيين أمام مؤامرة كبرى قد تطيح بما تبقى من مستقبل القضية الفلسطينية، وقد تفسر خفايا هجوم ٧ أكتوبر، وتستوجب من الفلسطينيين التحرك الفوري.
أعقب تصريح بايدن حول توجه النية الأميركية لبناء ميناء غزة المؤقت نهاية الأسبوع الماضي، خروج سفينة أميركية من قاعدتها متوجهة إلى فلسطين بعدها بساعات. ويدعم الحلفاء الغربيون المقربون للولايات المتحدة بناء ذلك الميناء، على رأسهم بريطانيا، وتموله دولة الإمارات العربية بالإضافة إلى الإدارة الأميركية. ولم تعارض إسرائيل ذلك المشروع، بل لم تخف ترحيبها به، وعدم معارضتها لوصول السفن المحملة بالدعم للفلسطينيين إليه، وهو الأمر الذي لطالما رفضته.
ولا يعد إنشاء ذلك الميناء أنجع الحلول لكسر الحصار المفروض على السكان المدنيين في غزة، وهو الأمر الذي أكدته قيادات عسكرية أميركية ومسؤولون أمميون، كما يدعمه المنطق. فإنشاء مثل ذلك الميناء، ووصول السفن إليه والمحملة بالمعونات للغزيين يحتاج لموافقة إسرائيل، التي تسيطر فعلياً على غزة، تماماً كما يحتاج دخول الشاحنات وتحليق الطائرات فوق سماء غزة لذات الموافقة. ويعتبر دخول الشاحنات المحملة بالمواد الغذائية أفضل الوسائل لتوصليها للمدنيين، خصوصاً أنه الأسلوب المتعارف عليه منذ فرض الحصار الإسرائيلي على غزة في العام ٢٠٠٧، كما أن الاحتلال يسيطر على جميع المعابر على طول الحدود الشمالية والشرقية، وينسق مع مصر على طول الحدود الجنوبية للقطاع.
ويحتاج قطاع غزة، الذي يقطن فيه أكثر من مليونَي إنسان، لدخول ٥٠٠ شاحنة يومياً محملة بالمواد الأساسية، في الأيام العادية، بعد خضوعها لعملية تفتيش إسرائيلية معقدة. ومنعت سلطات الاحتلال دخول أي شاحنة للقطاع خلال أول أسبوعين من العدوان على غزة. ولم تسمح بعد ذلك إلا بدخول أقل من عشرة شاحنات يومياً، و٩٠ شاحنة في أحسن الأحوال. وفي ظل سياستها لتفريغ شمال القطاع، قيدت إسرائيل وصول تلك الشاحنات إليه، لتجويع حوالى نصف مليون مدني، رفضوا الخروج من أماكن سكنهم، رغم القصف المركز وجرائم القتل التي يتعرضون لها.
لا يعد وصول شاحنات محملة بالمواد الأساسية إلى شمال القطاع المشكلة الوحيدة، بل إن عدم وجود جهة تستلم تلك المعونات لتوزعها على السكان بنظام يناسب الوضع المعقد المشكلة الأكبر. وقام الاحتلال باستهداف الشرطة الفلسطينية ورجال الدفاع المدني وحتى موظفين أمميين حاولوا المساعدة في توزيع المساعدات على المدنيين، خالقاً بذلك تلك الأزمة التي تسببت في عدم وصول المساعدات للمدنيين والتي تدخل بشكل شحيح، متسبباً بحدوث مجاعة حقيقية. ويعد ذلك سبباً مركزياً آخر في انتقاد مشروع الميناء الأميركي المؤقت، الذي لم يقدم حلاً لهذه الأزمة، ناهيك عن أنه سيحتاج لشهرين ليصبح مؤهلاً لاستقبال سفن الإغاثة. فهل سيصمد من تبقى من سكان القطاع لشهرين آخرين، تحت وطأة استمرار القصف والقتل والتجويع؟ ويصبح الأمر أشد تعقيداً، إن نفذ الاحتلال تهديداته باجتياح مدينة رفح، التي تحتضن أكثر من مليون غزي لجؤوا إليها، طلباً للأمان تحت وطأة القصف القاتل في شمال ووسط القطاع.
يقودنا ذلك إلى النظر إلى العوامل المصاحبة لتلك المبادرة الأميركية الغريبة لإقامة الميناء المؤقت. وعلى رأسها حقيقة الموقف الأميركي، والذي يتضح من خلال فصل الأقوال عن الأفعال. ويمكن تقييم موقف الولايات المتحدة تجاه إسرائيل فقط من خلال أفعالها، إذ أثبتت تصريحاتها خلال العدوان الإسرائيلي الحالي على غزة، والتوتر المشتعل في المنطقة، أنها تأتي أحياناً للاستهلاك المحلي والدولي فقط، ولا تعكس حقيقة مواقفها الداعمة بصلابة لإسرائيل، من خلال شراكة وتحالف والتزام منقطع النظير.
في حين يتعلق العامل الثاني بتتبع سياسة حكومة نتنياهو، سواء تلك التي تصر على استمرار عدوانها وتدميرها لقطاع غزة بكامل أنحائه، من شماله إلى جنوبه، وتعمد إلحاق الأذى والرعب بالمدنيين، دون وجود أي تهديد حقيقي داخلي إسرائيلي على استمرارها وبقائها حتى الآن. كما أنه من الملاحظ أن حكومة الاحتلال تتعمد إشعال الضفة الغربية، رغم دعوات الولايات المتحدة وخبراء أمنيين إسرائيليين بتجنب ذلك، خصوصاً في ظل التقاطع بين استمرار العدوان على غزة ودخول شهر رمضان. وتصعّد سلطات الاحتلال من اجتياحاتها للضفة وتشدد إجراءاتها في القدس، وتطلق أيدي مستوطنيها ليعيثوا تخريباً وإيذاءً بالفلسطينيين، وتستمر في سياسة الاغتيالات والاعتقالات. واعترفت إسرائيل باعتقال أكثر من ٤٠٠٠ فلسطيني في الضفة الغربية منذ بدء عدوانها على غزة، بالإضافة إلى وجود أكثر من ٥٠٠٠ آخرين، يقبعون في سجونها قبل العدوان. إلا أن الملفت مؤخراً، ما أعلنته إسرائيل حول بناء سجون جديدة لتستوعب الأعداد الإضافية من المعتقلين في الضفة الغربية، وهو أمر يوحي بترويجها لمزيد من الاضطرابات القادمة في الضفة الغربية. ولا ينفصل ذلك عن حالة التصعيد التي تتعمد حكومة الحرب الإسرائيلية خلقها على الجبهة الشمالية مع لبنان، والتي تشهد تصعيداً يصعب تجاهله.
وقد ترتبط تطورات العدوان على غزة بعامل مهم من الصعب إغفاله، يتعلق بغاز غزة. فبالإضافة للأهداف السياسية والعسكرية الإستراتيجية والأمنية والتوجهات الأيديولوجية لإسرائيل في الأراضي الفلسطينية، والتي يعرفها الجميع، لا يعد العامل الاقتصادي أقل أهمية عن تلك سابقة الذكر، خصوصاً ذلك المتعلق بغاز غزة، والذي يرتبط بالمستقبل التي تتطلع إليه دولة الاحتلال. بعد ثلاثة أسابيع على العدوان على غزة أعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية منح تراخيص لستة منشآت عالمية وإسرائيلية للتنقيب عن الغاز في مناطق يقع معظمها في نطاق مناطق بحرية فلسطينية. وبعد انتهاء الانتخابات الإسرائيلية وتشكيل حكومة نتنياهو الحالية، دعت إسرائيل شركات التنقيب لتقديم عطاءاتها للتنقيب في تلك المناطق. وفي نهاية الشهر الماضي أكدت إسرائيل زيادة معدلات إمدادات الغاز إلى مصر والأردن إلى حوالى ٢٥ في المئة خلال العام ٢٠٢٣، رغم انقطاع طفيف جرى في بداية العدوان على غزة، وأكدت أن الصادرات قد تشهد توسعاً قادماً.
واكتشفت إسرائيل وجود مصادر من الغاز الطبيعي في شرق البحر الأبيض المتوسط قبل ١٥ عاماً وبدأت تنتج بالفعل في العام ٢٠١٣، الأمر الذي وضع إسرائيل على خارطة الطاقة لأول مرة. في العام ٢٠٢٢ نجحت المحادثات التي توسطت فيها الولايات المتحدة بتوقيع اتفاقية تفاهم على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل، مكنت إسرائيل مؤخراً من الاستفادة من تدفق غاز حقل كاريش. إلا أن إنتاج ذلك الحقل يعد ضئيلاً مقارنة بحقلَي ليفياثان وتمار اللذين ينتجان معظم الغاز الإسرائيلي، ورغم ذلك يعد احتياط إسرائيل من الغاز محدوداً بالمقاييس العالمية. وتتطلع إسرائيل لتصبح مركزاً عالمياً لتصدير الغاز، وهو الأمر الذي يتطلب تحولها لممر يربط بين الشرق والغرب، والذي يأتي ضمن مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، إلا أن وصولها لمكانة الدول المصدرة للغاز يعد من أكبر طموحاتها، وهو ما يرتبط بحصولها على غاز غزة. في العام ١٩٩٩، أكدت شركة بريتيش غاز أن الاحتياطي البحري في غزة من الغاز يقدر بنحو 1.1 تريليون قدم مكعب. وفي العام نفسه، منحت السلطة الفلسطينية تلك الشركة عقداً للاستغلال، لم يفعل العمل به بسبب إسرائيل، رغم عدم رفضها الصريح. وفي العام ٢٠١٩ أعلنت فلسطين حدودها البحرية، وفقاً لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام ١٩٨٢، والتي أصبحت فلسطين طرفاً فيها في العام ٢٠١٥، إلا أن مصر أعلمت الأمم المتحدة رفضها القبول بتلك الحدود، كما لحقت بها إسرائيل بعد أسبوعين. ويتطلب التحكم بغاز غزة ضم إسرائيل للقطاع، والسيطرة الأمنية المطلقة عليه، الأمر الذي يغير المعادلة التي عملت بها إسرائيل خلال السنوات الماضية، بعد حدوث الانقسام الفلسطيني في العام ٢٠٠٧، ويقوم على تعميق حالة الفصل بين السلطة وحركة "حماس" لأغراض سياسية. إن ذلك قد يفسر تصريحات إسرائيل خلال العدوان الحالي على غزة المتعلقة بالسيطرة الأمنية والتحكم في القطاع، في سيناريو ما بعد العدوان، وكذلك تصريحاتها حول تهجير الفلسطينيين.
وقد يقدم العامل السابق، بالإضافة لعوامل أخرى، تفسيراً لموقف إسرائيل بشن عدوانها المدمر على غزة، وتفسيراً لمواقف دول عديدة أخرى في المنطقة وخارجها من العدوان. فإسرائيل التي تسعى دون مواربة لأن تكون دولة قائدة في المنطقة، ليس فقط على المستوى الصناعي والعسكري والأمني، بل أيضاً في مجال الطاقة، ليس فقط في نقلها بل في إنتاجها أيضاً. وقد وعدت إسرائيل أن تقدم الحل لدول أوروبا بتعويض مصادر الطاقة الروسية. ويعد المشروع سابق الذكر ضرورياً للولايات المتحدة في تنافسها مع الصين وروسيا معاً، ويعتبر هدف الولايات المتحدة المعلن ضرب طريق الحرير الصيني بطريق الهند المنافس، والذي يتكرس من خلال وجود إسرائيل كعنصر أساس فيه.
قد يفسر ذلك العامل الأخير ويقدم إجابات على العديد من المواقف، ومنه العدوان غير المبرر بهذا الشكل على غزة، والذي لا يتناسب بأي حال من الأحوال مع حجم هجوم "حماس". ويفهم أيضاً من خلال ذلك العامل دعوات إسرائيل في بداية عدوانها على غزة بتهجير الفلسطينيين خارج وطنهم، والذي ارتبط برؤية وثيقة أمنية إسرائيلية، كُشف عنها في أعقاب العدوان، دعت لإحداث عملية تدمير واسعة في القطاع، وجعلته مكاناً غير قابل للحياة.. إلا أن نجاح تلك المؤامرة يعني ضياعاً تاماً للقضية الفلسطينية، وليس غزة وحدها، في ظل أهداف سياسية وأيديولوجية إسرائيلية لا تغيب.