نتنياهو يصر على تحدي العالم

WptCE.jpg
حجم الخط

الكاتب: رجب أبو سرية

 

ما زال بنيامين نتنياهو يطلق التصريحات المهددة بمواصلة الحرب، وصولاً إلى اجتياح مدينة رفح، رغم كل التحذيرات الرسمية الدولية. وآخر ما أعلنه بهذا الخصوص، كان أول من أمس عند لقائه المستشار الألماني أولاف شولتز، وبغض النظر عن دوافع ذلك الإصرار على مواصلة حرب الإبادة بحق المدنيين، أي إن كان ذلك مرتبطاً بالمصلحة السياسية الشخصية لنتنياهو حتى يبقى في الحكم بعيداً عن متناول القضاء الإسرائيلي، الذي يلاحقه بتهم الفساد، أو لمواصلة الهرب من القانون الدولي، حيث لم يعد بعيداً اليوم الذي يطلبه فيه للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة قيادة بلاده لارتكاب جريمة حرب الإبادة، أو إصدار الأوامر لارتكاب جرائم الحرب العديدة في أكثر من مناسبة وفي غير وقت.
وبغض النظر أيضاً، إن كانت تهديدات نتنياهو بمواصلة الحرب واجتياح رفح المكتظة بالنازحين، الذين أجبرتهم قواته الغازية على النزوح إليها، وهي آخر ملجأ للنازحين، حيث لا مكان للنزوح بعد ذلك، إن كانت تلك التهديدات تكتيكية أم فعلية، فإن الشيء الذي أكدته سنوات نتنياهو في الحكم، وصولاً الى آخر نسخة من حكوماته المتعاقبة، بما تحتويه من متطرفين فاشيين دعاة قتل وحرب ودمار، ومن عنصريين، ينظرون الى من هم غيرهم نظرة دونية، ولا يؤمنون بالمساواة بين البشر، حيث كانت الحرب التي يقودونها منذ نحو ستة أشهر مناسبة لكشف ما حرصوا طويلاً من الوقت على إخفائه، من رغبة في قتل كل الشعب الفلسطيني بما لديهم من قنابل نووية، ومن رغبة في طرد تهجير كل الشعب الفلسطيني، إن كان ذلك الذي يقطن قطاع غزة، أو الضفة الفلسطينية أو حتى مَن هم مواطنون اسرائيليون، فضلاً بالطبع عن رفض إقامة أي دولة فلسطينية أياً تكن، وقد أظهر نتنياهو صورة قبيحة للغاية عن حكام الدولة الفاشية التي ظن العالم بأنه قد طوى صفحتها منذ الحرب العالمية الثانية، أو ما بعدها باسقاط النظام الشمولي.
والحقيقة أن كل القادة والحكام الفاشيين، لم يظهروا أي احترام ولا أي اهتمام بما يقوله العالم من حولهم، ونتنياهو بات مؤخراً يصر على مواصلة الحرب، رغم الضغوط الدولية، كما يقول، أي أنه يصر على عدم الاكتراث لتلك الضغوط، وبالطبع كان ذلك في حضرة المستشار الألماني، الذي جاء الى اسرائيل للمرة الثانية منذ السابع من اكتوبر الماضي، من أجل هذا الهدف بالذات، أي ثنيه عن نيته بشن الحرب على رفح، ومعروف بأن ألمانيا بقيادة شولتز أظهرت خلال هذه الحرب انحيازاً غير مسبوق لإسرائيل، وربما أن شولتز جاء بعد أن وصل الشقاق بين نتنياهو والرئيس الأميركي جو بايدن حداً غير مسبوق، وذلك رغم كل ما قدمته أميركا لإسرائيل خلال هذه الحرب وحتى اللحظة، أي أن نتنياهو وهو يعبر عن حكومة إسرائيلية فاشية، لا يقيم وزناً باختصار لكل العالم من حوله، وهكذا كان الفاشيون من قبل.
والعالم ليس أمام أول الحكام أو الحكومات الفاشية، فالعالم شهد من قبل العديد من الظواهر، التي قادها حكام طغاة، قوميون متعصبون، ظنوا بأنهم فوق الآخرين، وأن شعوبهم ودولهم هي من فئة أعلى من غيرهم، تماماً كما يظن حكام اسرائيل حالياً، بأن اسرائيل فوق القانون الدولي، وبأنه من أجل اليهود الإسرائيليين، أمنهم وسلامتهم، لا بد من تهجير كل الفلسطينيين إلى أربعة أنحاء الأرض، ولا بد من تفريغ كل المحيط العربي والإسلامي، بما يشمل الأردن، سورية، لبنان، العراق، سيناء وصولاً الى إيران وربما أبعد من إيران، من كل عوامل القوة العسكرية والاقتصادية، فقط من أجل تبديد هواجس وربما رغبات هؤلاء الفاشيين، حيث تسول لهم انفسهم بأنهم مهددون، وهم بدلاً من أن يفكروا جدياً بالتعايش مع شعوب المنطقة، يواصلون جنون الظن بأنه يمكنهم فرض أنفسهم وهم على هذه الحالة من الغطرسة على الآخرين، أي على كل الشرق الأوسط.
وهناك تجارب عالمية عديدة في التخلص من الطغاة، الفاشيين، إن كانوا حكاماً، أو دولاً استعمارية، وذلك عبر نماذج عديدة، وذلك ارتباطاً بكل عصر، وحين تتحول ظاهرة فاشية إلى مشكلة إقليمية أو دولية، فإن أقاليم أو حتى كل العالم يصبح معنياً بالتخلص منها، اما حين تكون الظاهرة مقتصرة على حاكم مستبد طاغية، فإن شعبه يعرف كيف يتخلص منه، في حين يساعده الآخرون من الجيران وحتى من دول العالم على التخلص منه، ولسنا هنا بحاجة الى تعداد النماذج كلها، حيث تحررت الشعوب من الطغاة، ومن المستعمرين، في عصور مختلفة، وهناك نموذجا الجزائر وفيتنام، حيث ضحى شعبا البلدين بملايين الشهداء من اجل التحرر من الاستعمار الخارجي.
لكن مقابل ذلك كان النموذج الهندي، على طريقة المهاتما غاندي الذي قاد الهند الى التحرر من الاستعمار البريطاني عبر المقاومة السلمية، أو العصيان المدني، وفعل ذلك ايضا الزعيم العالمي نلسنون مانديلا، حين قاد بلاده جنوب افريقيا للتحرر من نظام الفصل العنصري بالكفاح المدني، وبعد ان سانده العالم بأسره ووقف مع شعبه ضد نظام الفصل العنصري الكريه.
وكل هذه النماذج كانت ما بين الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، أما اليوم فإن العالم وفي ظل ثورة الاتصالات وعالم الفضائيات والتداخل البشري الكبير، صار اكثر تقارباً، ولم تعد هناك فواصل شمولية بين عوالمه، وبات العالم كله يتعاطف مع بعضه بعضاً، وباتت مظاهر الفاشية والتمييز العنصري من مخلفات الماضي، ولأن فلسطين بقيت آخر ضحايا الاستعمار القديم والحرب الباردة، فإن العالم كله ومنذ اللحظات الأولى لانهيار جدار برلين، وهو يسعى لوضع حد لما تتعرض له من ظلم تاريخي، أي ان أميركا التي تولت زعامة النظام العالمي ما بعد الحرب الباردة، تولت بتفويض من المجتمع الدولي، اي الأمم المتحدة، وفق الرباعي الدولي (الأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، روسيا والولايات المتحدة)، مفاوضات التوصل لحل يضع حداً للاحتلال، ويجسد حل الدولتين المنصوص عليه منذ عام 1947، وفق قرار التقسيم، ظلت طوال ثلاثة عقود تحاول التوصل الى حل ولكن عبثاً.
لا يترك نتنياهو بإصراره على صم أذنيه حتى لأصدقاء اسرائيل وفي المقدمة، الأميركيون من خيار سوى واحد من اثنين، فإما ان يتركوا اسرائيل وشأنها، وحينها سيضع الفلسطينيون حداً لاحتلالها، والإقليم حداً لفاشيتها، واما ان يحاولوا الفصل بين نتنياهو وطغمته الفاشية الحاكمة وتخليص اسرائيل من فاشييها، كما يحاول بايدن، وهذا ما جاء واضحاً من خلال اقتراح زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ الأميركي تشاك تشومر، والذي ايده بايدن، بلجوء اسرائيل لانتخابات عامة، الأمر الذي اغضب نتنياهو الذي قال بان الضغوط الدولية تسعى لاجراء انتخابات اسرائيلية مبكرة.
هكذا فإن العالم كله يتعاطف مع فلسطين، وبات اليوم على قناعة تامة بأن إسرائيل وصلت في عهد حكومة نتنياهو السادسة الى مشارف الفاشية، بارتكاب حرب الإبادة الجماعية، وقد فتح العالم، والدليل هو دعوى جنوب إفريقيا المؤيدة من عشرات الدول، في محكمة العدل الدولية، الباب لمحاكمة اسرائيل وذلك لتجاوز عجز مجلس الأمن، بسبب الحسابات السياسية، حيث تختبئ الفاشية الإسرائيلية وراء الفيتو الأميركي، والدليل ايضا ان ليس هناك من حرب ولا حتى الحرب الروسية الأوكرانية شهدت تظاهرات واحتجاجات عالمية كما شهدت وتشهد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وكل هذا يؤكد بأن فلسطين باتت على موعد قريب مع الحرية الوطنية، وان تحرر فلسطين يشهد نموذجاً غير مسبوق من الكفاح العالمي للتخلص من احتلال فاشي وعنصري إسرائيلي لأرض وشعب فلسطين، وان عالم اليوم، لا يقبل بأن تبقى إسرائيل فوق القانون الدولي، وأن ليس لإسرائيل حق مشروع بالدفاع عن النفس دون الآخرين، بل لها حق العيش كما الآخرين، لا اكثر منهم ولا أقل، دولة بحدود التقسيم، او بحدود 67، وفق موافقة فلسطينية، على أن تعيش دولة مسالمة في حسن جوار وتعايش مع كل الجيران، وأولهم الجار الفلسطيني.