الحرب مستمرّة، وقد تنزلق إلى إقليميّة

BGh5Q.jpg
حجم الخط

الكاتب: طلال عوكل

 

تستمرّ الحرب البشعة ضدّ الشعب الفلسطيني كأنّها بدأت قبل أسبوع، بينما تعبر حاجز المئة وسبعين يوماً.
تستمرّ حرب الإبادة الجماعية وحرب القتل عبر التجويع، وتجريف كلّ وسائل العلاج للجرحى والمرضى، وتستمرّ عمليات القتل والاعتقال والترويع، واقتحامات مدن الضفة الغربية، ويستمرّ الاستيطان، وانتهاك كافّة القوانين الدولية، والقانون الدولي الإنساني.
إسرائيل تخوض حرباً شاملة، ضدّ الشعب الفلسطيني وقضيّته تأخذ طابع حرب الوجود، وتواصل رفضها المطلق لقيام دولة فلسطينية على الأراضي المحتلّة العام 1967.
يتحّد الإسرائيليون في الحكومة و»المعارضة» على حدّ سواء، لرفض أيّ شكلٍ من أشكال الدولة الفلسطينية حتى لو كانت دولة نصف كم2 كما يريدها جو بايدن.
سرّني كثيراً أنّ بعض الزملاء من الكتّاب الفلسطينيين المرموقين، صحّح وجهته، فبعد أن كان يحمّل حركة «حماس» المسؤولية عمّا يعيشه قطاع غزّة، عاد ليعترف بأنّ إسرائيل كانت ستقوم بما تقوم به حتى لو لم يجرِ ما جرى في 7 تشرين الأوّل/أكتوبر 2023.
المفاوضات متعسّرة، حيث يتلاعب بنيامين نتنياهو بالوقت، ويرفض الاستجابة لشروط المقاومة الفلسطينية، وكأنّه صاحب الكلمة العليا، ذلك لأنّه لا يريد التوصُّل إلى اتفاق إلّا إذا كان يشير بوضوح إلى ضعف المقاومة، وتحقيق الانتصار الصعب الذي يسعى إليه.
المماطلة والرفض الإسرائيلي لإنجاز اتفاق، حتى لو أنّ ذلك ينطوي على حرجٍ لشريكه الأميركي، لا يتوقّف فقط على الشروط التي يصرّ عليها المفاوض الإسرائيلي، بل إنّه يتّخذ أشكالاً عملية صعبة.
القوات الإسرائيلية تعود إلى كلّ المناطق التي انسحبت منها قبل أسابيع أو أيام، وتعود للقصف وارتكاب المجازر في بيت حانون وجباليا، ومعظم المحاور في مدينة غزّة، بالإضافة إلى القصف الذي لا يتوقّف على بقيّة المحاور في كل القطاع.
ما جرى ويجري في مستشفى الشفاء منذ أسبوع، يشكّل ذروة في التصعيد، فبالإضافة إلى قتل المئات من الطواقم الطبّية والنّازحين، والسكّان، واعتقال المئات، تمارس القوّات الإسرائيلية سياسة الأرض المحروقة للمباني، والبنية التحتيّة في محيط المستشفى الذي خرج عن الخدمة كلّياً، بعد أن استعاد بعض نشاطه.
وبالإضافة، أيضاً، إلى التصعيد الواسع، والمجرم والشامل في الميدان، يصرّ نتنياهو وزملاؤه في «مجلس الحرب»، على أنّه سينقل الحرب المجرمة إلى رفح، في كلّ الأحوال، سواء تمّ التوصُّل إلى اتفاق أو لم يتمّ.
نتنياهو أعلن أنّ تحقيق الانتصار مرهون بمواصلة الحرب على رفح، حيث يقول: إنّ رُبع قدرات «حماس» القتالية موجود هناك.
يتجاهل نتنياهو أنّ المقاومة لا تزال موجودة وفعّالة في المناطق التي ادّعى أنّ جيشه تمكّن من القضاء على المقاومة فيها.
الاشتباكات مستمرّة وضارية، وتُوقِع المزيد من الخسائر في صفوف جيش الاحتلال، في بيت حانون وبيت لاهيا، وفي مختلف المحاور التي يتواجد فيها بمدينة غزّة.
الحرب مستمرّة على أشدّها، والأرجح أنّها ستتواصل، رغم تحذيرات الإدارة الأميركية، التي تعترف بأنّ وضع ومكانة دولة الاحتلال تتدهور على نحوٍ خطير على المستوى الدولي.
يبدو أنّ السياسة الإسرائيلية تبلّدت تماماً إزاء وضع إسرائيل على المستوى الدولي الشعبي والرسمي، وعلى مستوى المؤسّسات الحقوقية ومؤسّسات الأمم المتحدة.
مرّة أخرى يتهم وزير خارجية دولة الاحتلال إسرائيل كاتس الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس الذي زار رفح المصرية مؤخّراً.
لا يدرك كاتس أنّ معزوفة «معاداة السامية»، التي رمى بها غوتيريس، لم لم تعد تنطلي على أحد، ولا تترك أيّ أثرٍ لدى الرأي العام، الذي يتحدّث بلغةٍ واحدة، أنّ إسرائيل ترتكب جريمة إبادةٍ جماعية.
في ظلّ هذا العناد والغباء الإسرائيلي تفشل الولايات المتحدة الأميركية في إنقاذ الدولة العبرية من نفسها، وإخراجها من ورطتها، وذلك حفاظاً عليها، وإنقاذ مصالح الولايات المتحدة ووجودها وسمعتها التي تتدهور باطّراد.
مع ذلك، ورغم كلّ الحديث عن خلافات بين بايدن ونتنياهو، إلّا أنّ الإدارة الأميركية لم تغيّر موقفها وسلوكها الداعم والمشارك في الحرب مباشرة.
حاولت الإدارة الأميركية التذاكي حين طرحت مشروع قرار بوقف الحرب الإجرامية في مجلس الأمن، وكان هدفه الضغط على المقاومة، لكنّ الفيتو الروسي والصيني أفشل تلك المحاولة.
أميركا تسعى فقط لوقف مؤقّت لإطلاق النار، وزيادة وصول المساعدات لأهالي القطاع، مقابل الإفراج عن الرهائن، دون العمل على وقف مستدام للحرب، والانخراط الجدّي في مرحلة «ما بعد الحرب»، وهو السؤال الذي تتهرّب إسرائيل من الإجابة عنه.
الحال أنّ الإدارة الأميركية مارست ضغوطاً شديدة على قطر، ومصر، من أجل إرغام «حماس» على التنازل عن بعض شروطها الأساسية. تفعل ذلك، بينما تواصل تقديم الدعم المالي والتسليحي لإسرائيل حيث أقرّ الكونغرس تقديم أربعة مليارات دولار، وأسلحة وذخائر بقيمة ثلاثة مليارات ونصف المليار دولار.
في هذه الأثناء يزور وزير الحرب الإسرائيلي، يوآف غالانت، واشنطن لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاق الطرفين، بشأن العملية العسكرية في رفح، والتي لا تعارضها أميركا من حيث المبدأ، فضلاً عن مواصلة تقديم الأسلحة والذخائر التي تشكو إسرائيل من نقصانها.
لم تتغيّر عوامل الحرب العدوانية، وهي مرشّحة للتوسُّع والتصاعد، لكنّ مواقف وسلوك الأنظمة العربية لم تتغيّر، ومن غير المرجّح أن تتغيّر بعد كلّ ما جرى ويجري.