إيران .. هل يمكن تجنب الحريق ؟

b4074a08395cccfa2439721cb44bffc8.jpg
حجم الخط

الكاتب: أكرم عطا الله


 

مثل الولد البلطجي الذي تلقى صفعة على وجهه أمام الجميع فأقسم على أن يحرق الحي كله، هكذا تبدو إسرائيل وهي تجعل المنطقة والعالم يحبس أنفاسه بعد مغامرتها بضرب القنصلية الإيرانية في دمشق دون استئذان الراعي المسؤول عن حمايتها والتصدي لخصومها.
بعد أن ثبت أن إسرائيل، كما قال الحامي الأميركي، ليست قادرة على حماية نفسها. ولكن لأن لها امتدادات فائض القوة في واشنطن لماذا تتوقف عن البلطجة وإحراق المنطقة ؟
منذ بداية الحرب كان واضحاً أن إسرائيل ذاهبة باتجاه سحق غزة انتقاماً للتلك الضربة الموجعة، لكنها فتحت عينيها على مكانتها الهشة وما يمكن أن يفعل بها خصومها.
وإذا كانت تلك الضربة جاءت من حماس القوة الأضعف بين محور تقوده إيران فأي مستقبل لها في المنطقة في ظل تلك القوة التي تنذر بصفعات أشد إيلاماً لدولة انكشفت ممكنات قوتها في اللحظة الأولى التي صرخت تطلب النجدة والدعم من كل العالم.
ماذا لو تدخل حزب الله في السابع من أكتوبر ؟ ماذا لو فعّلت إيران كل أذرعها دفعة واحدة وترجمت شعار وحدة الساحات ؟ ماذا لو كان الهجوم شاملاً بكل ما يملك المحور من أدوات وقوة صواريخ وطائرات بدون طيار وتعطيل للتكنولوجيا ودخول بري من لبنان كان يمكن أن يصل تل أبيب ويسيطر على وزارة الدفاع، ربما لسقطت إسرائيل في ذلك اليوم وتحققت النبوءة الأشد سواداً لها.
وماذا بعد أن تنتهي إسرائيل من غزة ؟ حتى لو استكملت سحقها وتدميرها كلياً هل انتهت التهديدات ؟ هذا الهاجس الذي سكن إسرائيل وتحول إلى سؤال قلق في الدوائر الحاكمة. فغزة الأضعف بين أطراف المحور لكن ما العمل مع باقي الأطراف ؟ إذن لا بد لهذه الحرب أن تنهي كل تهديدات إسرائيل ولن تتوقف قبل ذلك حتى لو كان الثمن إحراق العالم.
منذ سنوات تضع إسرائيل ونتنياهو تحديداً إيران كهدف رئيس إلى الدرجة التي اعتبر فيها الإسرائيليون أن هذا ملف حياته، وذهب مرة للجمعية العامة للأمم المتحدة ليعرض خارطة تعليمية عن التهديد الإيراني واشتبك مع الرئيس أوباما بسبب إيران وحرض ترامب على الانسحاب من الاتفاق النووي واغتيال قاسم سليماني، نتنياهو اعتبر أن هناك مركزاً لتلك التهديدات وبدل أن يصارع الأطراف عليه أن يضرب المركز لتنتهي كل التهديدات.
لم تتوفر له فرصة لذلك ولم يتعاطَ معه العالم بجدية، لكنه الآن يرى أن الفرصة قد حانت ويجب التقاطها ومن هنا كان يدرك أن ضرب القنصلية في سورية يختلف عن كل المرات ومن غير المقنع تلك التسريبات عن أن الأذرع الأمنية الإسرائيلية لم تتوقع أن الأمر هذه المرة سيدفع إيران للرد لأن قصف القنصلية هذه المرة لا يعطي لإيران أي مبرر لتمريرها، لكنها فرصة لدولة تتلقى أساطيل برية وبحرية من الأسلحة ويقف العالم الرسمي داعماً وبقوة رغم كل المجازر التي ترتكبها وتوجد القوات الأميركية في المنطقة وهذه ليس من السهل استدعاؤها كل مرة.
يرى نتنياهو أن الرئيس الأميركي في وضع لا يترك له مجال إلا الانجرار خلف الحرائق التي يشعلها، فهو في أشهره الأخيرة لا يستطيع ترك إسرائيل تخوض حروبها فهي جزء من الداخل الأميركي.
صحيح أن هناك تغيراً في الرأي العام لكنه يتعلق بصورة إسرائيل المحتلة التي ترتكب الإبادة والظالمة لكن الأمر يختلف عندما تظهر بصورة الضحية وهناك ترامب يقف على الجدار متربصاً للرئيس العجوز وبالتالي لا مفر من وضع كل القوة الأميركية لصالح حروب إسرائيل.
هذا ما تدركه حكومة تل أبيب ورئيس وزرائها بمعزل عن حجم الخطر الذي يضع المنطقة برمتها والعالم على شفير هاوية، فإذا كانت إسرائيل مهَدَّدة فليحرق العالم حسب نظرية شمشون.
وهكذا وضعت كل الأطراف أمام هذا الخطر بصرف النظر عن حشرها في الزاوية، فالمأزق الأميركي لا يقل عن المأزق الإيراني كطرفين استدعتهما إسرائيل بضربة القنصلية التي لم يتوقعاها ومن الخطأ أنهما لم يتوقعاها في ظل السعار الذي يصيب إسرائيل.
الولايات المتحدة منذ بدء الحريق المشتعل في غزة وهي تحاول جاهدة بكل ما تملك من قوة منع تمددها، فتبعث عاموس هوكشتاين إلى لبنان وتقوم بتقديم عروض سخية للحوثي وبالإفراج عن أموال إيرانية ورسائل تهدئة لأن آخر ما تريده الإدارة هو أن تتورط في حرب في أشهرها الأخيرة.
فلا الاقتصاد العالمي يحتمل هزة نفطية ولا المواطن الأميركي يحتمل عودة التوابيت وصندوق بايدن لا يحتمل هذا ولا ذاك.
إيران من ناحيتها وضعها الإسرائيلي في موقف شديد الحرج، فإن ردت الضربة بضربة موجعة ستتلقى ما هو أكبر وإن لم ترد ستتلقى أيضاً ما هو أكبر.
وهكذا وضع الإسرائيلي كل الأصدقاء والخصوم في خانة صعبة وخصوصاً إيران التي يطالبها أصدقاؤها بالرد على سبيل الحفاظ على مكانة وهيبة المحور، ويطالبها مناكفوها الذين يتعاطون مع إسرائيل بالرد سواء بهدف المزاودة أو بهدف جرها لحرب لن تخرج منها سليمة.
كيف ستجد الأطراف ذات العلاقة مخرجاً من هذه الورطة في ظل تهديدات واتصالات محمولة على ترسانات من الأسلحة والأساطيل ؟
هذا هو السؤال الذي يشغل العالم لأن بديله حرب عالمية كما يقول ترامب تقف أطراف مثل الصين وروسيا انتظاراً لها لتغرق أميركا أكثر، وهي المشغولة بمواجهة روسيا في أوكرانيا ومواجهة التمدد الصيني فلتغرق في الشرق الأوسط الذي انسحبت منه في عقدها الأخير للتفرغ لمواجهتهما.