تواجه مصر بيئة إقليمية ودولية بالغة الصعوبة، تضغط على أمنها القومي وتهدد مصالحها الوطنية وتدفعها إلى العمل المستمر لتوسيع مساحات فعل سياستها الخارجية. فالحروب والصراعات المشتعلة في الشرق الأوسط، وما يرتبها من عنف الممارسات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية كما في لبنان وسوريا وكذلك من جهة الممارسات الإيرانية التي لم تتوقف عن توظيف الميليشيات القريبة منها إن في المشرق العربي أو في اليمن في صراعها المتواصل مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية ومن جهة أخرى الحرب في السودان وقضية سد النهضة الإثيوبي، تفرض على مصر البحث المستمر عن تحالفات متماسكة ومتنوعة. أما التقلبات السريعة التبي ترد على السياسة الخارجية الأمريكية مع إدارة دونالد ترامب الثانية، فهي ترتب تحديات إضافية لمصر التي لم تعد تأمن ما يمكن أن يطرحه ترامب فيما خص القضية الفلسطينية (كالترويج لخطط التهجير الإجرامية من غزة وتأييدها لجرائم الاستيطان والضم في الضفة الغربية) أو فيما يتعلق بمجمل قضايا الشرق الأوسط (الصمت على اعتداءات إسرائيل المتكررة على لبنان وسوريا والضغط على إيران).
في هذه السياقات الإقليمية وفي وضع دولي يتسم بتوترات متصاعدة بين القوى الكبرى وحرب في أوكرانيا لم تتوقف بعد وحروب تجارية تسببها رسوم ترامب وعقوباته، تبدو أهمية انضمام مصر إلى تجمع البريكس وما يمكن أن تحصل عليه اقتصاديا وماليا وتنمويا وكذلك جيو-استراتيجيا.
فما هو الاهتمام الرئيسي لمصر بتجمع البريكس؟
أولاً، تسعى مصر، من خلال انضمامها إلى البريكس، إلى تأمين مساعدات مالية وتنموية واستثمارات كبيرة لاقتصادها، بالإضافة إلى ما تتلقاه من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والمؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
ثانياً، تأمل الحكومة المصرية، من خلال عضوية البريكس، في توسيع التبادل التجاري بالعملات الوطنية مع الدول الأعضاء الأخرى، وخاصة الصين، الشريك التجاري الأكبر لمصر. على مدار السنوات الماضية، عانت مصر من أزمات متتالية مرتبطة بتوفر الدولار الأمريكي في مبادلاتها التجارية، مما أدى إلى موجات انخفاض كبيرة في قيمة الجنيه المصري. لذلك، تُمثل الفرص المستقبلية المتعلقة باستخدام العملات الوطنية بين دول البريكس في تجارتها أولويةً بالغة الأهمية.
ثالثًا، ترى القاهرة أن الانضمام إلى مجموعة دولية تضم بكين وموسكو ونيودلهي، بالإضافة إلى عواصم رئيسية في الجنوب العالمي، يُمثل خروجًا عن الاعتماد الأحادي على الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وتنويعًا لوجهات التعاون الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي والعسكري.
وفي أي مجالات تتوقع الحكومة المصرية أن يكون للبريكس الأثر الأكبر؟
على المدى القصير، تتوقع الحكومة المصرية أن تُسهم عضويتها في البريكس في تأمين فرص تمويل إضافية واستثمارات أجنبية مباشرة لإنعاش الاقتصاد. ليس أمام مصر خيار سوى مواصلة إدخال إصلاحات هيكلية اقتصادية تدفع تدريجيًا، الدولة الأكثر سكانًا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، نحو تحديث البنية التحتية، ومشاريع الطاقة المتجددة، والاقتصاد الأخضر.
على المدى المتوسط، ترغب مصر في أن تُصبح البريكس تكتلًا للتجارة العالمية بعملات غير الدولار الأمريكي، بالإضافة إلى تكتل لتعزيز جهود التنمية المشتركة في جميع أنحاء الجنوب العالمي. أعربت الحكومة المصرية مرارًا عن اهتمامها بالتعلم من النجاحات التنموية في الصين والهند واستخدامها كنماذج توجيهية لجهودها الخاصة.
على المدى الطويل، ترى مصر في تجمع البريكس تكتلًا قادرًا على الاضطلاع بأدوار مماثلة لأدوار حركة عدم الانحياز في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. وتنظر الدبلوماسية المصرية إلى البريكس كتجمع يمكنه المساعدة في تمهيد الطريق لنظام عالمي متعدد الأقطاب، لا تكون فيه الولايات المتحدة القوة المهيمنة الوحيدة، وهو نظام عالمي لا يُعيد إنتاج ثنائية القطبية التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين، بل بأقطاب متنافسة مختلفة.
أما السؤال الأخير، فهو كيف تُشكل التطورات الجيوسياسية والدولية الأخيرة حول السياسات الأمريكية والتوترات بينها وبين الصين والاتحاد الأوروبي قوة إضافية دافعة لانفتاح مصر على البريكس؟
تنظر مصر إلى شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة كمكون أساسي في سياستها الخارجية، وتعتبر استمرارها شرطًا لتحقيق التنمية الاقتصادية المطلوبة. للولايات المتحدة دورٌ رئيسي في مساعدة مصر على الصعيدين الثنائي والمتعدد الأطراف، وذلك من خلال الدعم الذي تتلقاه من مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
كما تعتبر مصر الشراكة مع الولايات المتحدة ضرورةً لتحقيق الأمن والسلام في الشرق الأوسط، وللتغلب على تحديات الأمن القومي الأخرى التي تواجهها، مثل تداعيات سد النهضة الإثيوبي الكبير على أمنها المائي.
إلا أن السياسات الأمريكية المنحازة تجاه إسرائيل والشرق الأوسط منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 تثير قلق الحكومة المصرية، وفاقمت من وطأتها طرح الرئيس ترامب لخطط مرفوضة مصريا بالكامل. فقد رفضت القاهرة تأييد واشنطن للخطط الخطيرة لليمين الإسرائيلي المتطرف لضم الضفة الغربية المحتلة وتهجير سكان غزة الفلسطينيين، وتصاعدت في أروقة الحكومة المصرية تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقات الأمريكية المصرية مثلما لوحت القاهرة أكثر من مرة بالتداعيات الخطيرة للممارسات الإسرائيلية الراهنة على معاهدة السلام بين الدولتين.
ومن المؤكد أن الانحياز الأمريكي إلى إسرائيل سيدفع مصر إلى العمل الجاد لتطوير علاقاتها الثنائية مع دول مثل الصين وروسيا والهند باتجاه شراكات استراتيجية شاملة، والاستثمار بشكل أكبر في المنظمات المتعددة الأطراف التي تضم تلك القوى الكبرى وتضم كذلك دول قائدة في الجنوب العالمي كالبرازيل وجنوب إفريقيا وغيرهما. ومن هنا، تأتي في هذا السياق الأخير أهمية الانضمام المصري لتجمع البريكس وضرورة فاعليتها داخله.