قلنا في مقال سابق إنّ الإقليم على حافّة انفجار كبير، مع أن هناك ما يكفي من الفرق بين حافّة الانفجار والانفجار نفسه، وهناك فرق كما نعرف بين الهاوية وحافّتها.
تفكيك هذه المشاهد من زاوية الخيال السياسي يحتاج إلى فهم عدّة معادلات متداخلة، لعلّ أهمّها على الإطلاق، والذي يقف في خلفيّتها هو موقع وأهمية الشرق الأوسط في الإستراتيجية «الغربية» عموماً، وفي الإستراتيجية الأميركية خصوصاً، وفي الإستراتيجية «الترامبية» على وجه الدقّة والتحديد.
وليس المقصود هنا هو الشرق الأوسط بما فيه من ثروات حيوية للاقتصاد العالمي، ولا موقعه الجيوإستراتيجي بين قارّات العالم، ولا الممرّات التي تشكّل عصب التجارة الدولية في قسمٍ كبيرٍ منها، ولا حتى الاتصال البرّي المباشر مع أوروبا، ولا التشاطؤ اللصيق بها، «فالتهديد» الذي يشكّله الإقليم من زاوية «اختلاف» الدين والثقافة، ومن زاوية «إغراق» القارّة بالمهاجرين، وخصوصاً غير الشرعيّين منهم، ليس كلّ هذا ما نقصده ونحن نتحدث عن أهمية الشرق الأوسط، وذلك لأن الأهمية التي أشرنا إليها معروفة ومعترف بها على كلّ الصعد والمستويات.
نتحدث هنا عن تضارب المصالح بين مكوّنات حلف الطّامعين بالسيطرة على الإقليم، وذلك بالنظر إلى تلك الأهمية، ومن درجات معيّنة من اختلاف الإستراتيجيات الطّامعة، وعن اختلافات أكبر وأهم من هذه الدرجات بين دول الإقليم نفسها، وخصوصاً في المرحلة الراهنة، وعن اختلافات تصل إلى حدود العداء والصدام، وبحيث تبدو دول الإقليم وكأنها في صراع متواصل حول المكانة والدور، وحول نمط وطبيعة التحالفات، وحول نمط التهديدات والمخاطر التي تواجهها.
هناك ثلاثة مستويات تشكّل في الواقع الخلفية الارتكازية لإمكانيات انفجار الإقليم الشرق أوسطي.
تصنّف الإدارات الأميركية دول الإقليم على الشكل الآتي:
• دول حليفة، وأهمّها على الإطلاق هي دولة الاحتلال، وهي في واقع الأمر شريكة، وأداة «الغرب» الضاربة، وهي تستمدّ دورها ومكانتها من أعماق طبيعة المشروع «الغربي» والأميركي، ومن صلب مصالحه، وهي جزء مكوّن من كل منظومات هذه المصالح، ومنذ قيام دولة المشروع الصهيوني بقيت هذه الدولة، الدولة التي تحتمل وصف «إسرائيل أوّلاً»، و»إسرائيل خاصّةً»، و»إسرائيل تحديداً»، وهي ما زالت تعيش في كنف «الغرب» على هذا الأساس.
• دول حليفة تابعة، أو تدور في الفلك «الغربي» والأميركي، وهي الدول العربية في غالبيتها السّاحقة، ولا تملك قرارها إلّا في بعض المسائل «الفرعية»، والتي لا تتناقض غالباً مع الإستراتيجيات «الغربية»، وإنّما تتعارض جزئياً وأحياناً فقط.
تندرج تحت هذا المسمّى معظم دول الخليج، ودول المشرق العربي، وكذلك معظم الدول الإسلامية التابعة والمحسوبة من إطار الإقليم كالباكستان مثلاً.
ينطبق هذا الأمر على دولة مثل تركيا، وعلى دولة كالجزائر بالرغم من مزاعم النزعات الاستقلالية لديها، وهي نزعات لا تطمح للذهاب بعيداً في التعارض مع المصالح «الغربية».
وتبيّن بالملموس أنّ مفهوم بلدان «العالم الثالث»، أو «الدول النامية» ليس له مقياس علمي حقيقي سوى أن هذه البلدان هي بالأساس تابعة بهذا القدر أو ذاك، أو إلى هذه الدرجة أو تلك، وأن مستوى التطوّر، أو درجة التخلّف ليست هي معيار كونها دولاً نامية، أو متطوّرة أو ضعيفة التطوّر، وإنما درجة تبعيتها هي المقياس.
فإذا كانت قوانين التطوّر الداخلي نابعةً من اعتبارات أو توجّهات، أو حتى إملاءات خارجية فهي دولة نامية، أما إذا كانت نفس تلك القوانين نابعة من اعتبارات داخلية، وليست خارجية فإن الدول في هذه الحالة ليست من بلدان العالم الثالث، بصرف النظر عن مستوى ما وصلت إليه من تطوّر.
بهذا المعنى فإن دولاً مثل الصين نفسها كانت متوسّطة، وأحياناً ضعيفة التطوّر، وكذلك روسيا نفسها في مراحل معيّنة كانت كذلك، وهما لم تكونا يوماً من دول «العالم الثالث» لأن قوانين التطوّر الداخلي هي التي تحدّد اتجاه التطوّر فيها.
هكذا نأتي على التصنيف الثالث لبلدان الإقليم الشرق أوسطي، وهي البلدان التي تنزع بشدّة نحو الاستقلال عن المصالح والإملاءات الغربية، وهنا تبرز إيران كنموذج واضح، وفي ركبها تبرز جماعة «أنصار الله» (الحوثيين) التي تسيطر عسكرياً على اليمن، أيضاً، وهناك نزعات من هذا القبيل موجودة على شكل أنوية ومحاولات في كل من مصر والعربية السعودية.
في الحالة الإيرانية، و»اليمنية»، والكورية الشمالية تسمّى هذه الدول في القواميس «الغربية» الدول المارقة، وصدام «الغرب» مع هذه الدول هو صدام وصراع تناحري لا مجال فيه إلّا لمساومات تهدف إلى تصفية قواعد ومرتكزات الإستراتيجيات «الاستقلالية» فيها.
الصراع بين «الغرب» من أجل احتواء الأنوية الاستقلالية النسبية وبين دولة كمصر والعربية السعودية، وحتى تركيا هو صراع «احتوائي» من حيث الجوهر، أما الصراع مع إيران فإن طابعه الاحتوائي هو مؤقّت وتكتيكي من وجهة نظر «الغرب»، لأنّ الإستراتيجية الحقيقية لـ»الغرب» هي الإطاحة والإسقاط والتصفية، ويمكن أن يكون الحصار الاقتصادي أو المقاطعة من الوسائل المتاحة في مراحل معيّنة، لكن اللجوء إلى التدمير المباشر ليس خارج الحسابات والمعادلات، بل هو الخيار المفضّل عند توفّر الظروف «المناسبة».
وصل الهجوم الأميركي المعاكس، والذي يبدو أنه جامح وهائج في مرحلة النمردة والعربدة «الترامبية» إلى مستويات، وإلى منسوب في غاية الخطورة، ليس من زاوية قدرة «الغرب»، وإنّما من زاوية رغبة هذا «الغرب» بتصفية الحسابات مع الدولة الإيرانية، وليس بسبب «تدخُّل» إيران في المنطقة بوساطة «أذرعها»، وإنما بسبب ما تمثّله من تهديد لإستراتيجية «الغرب»، بالسطو الكامل على الإقليم، وإعادة سيطرته الكاملة عليه.
ولهذا كلّه فإن الإستراتيجيات «الغربية» لم تعد تطرح الخلاف مع الدولة الإيرانية بأنه مجرّد خلاف على البرنامج النووي، وإنّما هو خلاف حقيقي على «العثرة» التي تمثلها إيران على الإستراتيجيات «الغربية».
وتحت هذا العنوان تندرج عشرات القضايا التي يصنّفها «الغرب»، ويضع لها المسمّيات التي تخدم هجومه المعاكس الجامح.
وإذا كانت «قناعات» الغرب قد استقرّت عند وجود «فرصة» لتدمير مقوّمات الدولة الإيرانية فإنه لن يتوانى عن الهجوم، أمّا إذا كانت لديه أي شكوك حول هذه المسائل بالذات، وأن لديه مخاوف وهواجس، ونواقص في المعلومات فإنه سيواصل «التهويش» دون أن يجرؤ على مثل هذا الهجوم.
إيران تمتلك من الأوراق ما يجعل حتى ترامب يحسب لها ألف حساب، وخصوصاً برامجها وقدراتها العسكرية، وإمكانياتها على تهديد القواعد الأميركية، وربما لجوء إيران إلى إغلاق مضيق هرمز، إضافةً إلى إقدام «الحوثيين» على إغلاق باب المندب، وهو ما يشكّل ضربةً قاصمة للاقتصاد العالمي.
ولدى إيران قدرات بحرية كبيرة، وأسلحة نوعية ليست معروفة تماماً لـ»الغرب»، ولديها المساحة والعنصر البشري المتفوّق، ولديها تحالفات متينة مع روسيا والصين، ولديها بُعد شعبي كبير في منطقة الخليج والمشرق العربي، وليس سهلاً تجاوز هذا كلّه.
«الغرب» يحاول أن يخوض حروباً سهلة، لكن الحرب مع إيران ليست من هذا النوع من الحروب، وأغلب الظنّ أن الحرب إذا وقعت فإن نتائجها ليست مفتوحة على الاحتمال الأميركي كما يظنّ ترامب، أو كما يحاول أن يجعلنا نعتقد بأنّه يظنّ.
الحرب مع إيران فيها احتمالات أخرى سنأتي عليها في مقالات قادمة.
الإقليم على حافّة الانفجار الكبير
27 مارس 2025