بلاغة بلا فعل..

تنزيل (21).jpeg
حجم الخط

الكاتب: رامي مهداوي

 

لا تكاد تتوقّف في فلسطين، كما في سائر المشرق، موجات المقالات والبيانات والدعوات إلى «الإصلاح» و»التغيير» و»بناء الدولة» و»تجديد العقل السياسي». سيلٌ لا ينقطع من الكلام عن ضرورة تحديث المجتمع، مكافحة الفساد، ترسيخ سيادة القانون، إنهاء الانقسام، تمكين الشباب والمرأة، إصلاح التعليم، وتحرير الاقتصاد من التبعية. شعارات كبرى، تتكرّر منذ بدايات المشروع الوطني الحديث، وتزداد كثافةً كلما ازداد الواقع تدهوراً.
المفارقة المأساوية أن هذه المطالب، على وجاهتها النظرية، تكاد تكون هي نفسها منذ عقود، تدور في حلقة مفرغة بلا نهاية. تتغيّر الأسماء والسياقات، لكن جوهر الخطاب يبقى أسير اللغة ذاتها: دولة، ديمقراطية، شفافية، عدالة اجتماعية، كرامة إنسانية. أمّا السؤال الأخطر: كيف نصل؟ فهو الغائب الأكبر. كأن الأهداف، لمجرّد إعلانها، تملك قدرة سحرية على تحقيق ذاتها.
في فلسطين، يتضاعف هذا المأزق بسبب الخصوصية الثقيلة للاحتلال والانقسام وانسداد الأفق السياسي. فبين سلطة محدودة الصلاحيات تحت الاحتلال، وسلطات أمر واقع تفرض منطق السلاح، يتحوّل خطاب الإصلاح إلى نوع من الترف البلاغي، يُستهلك في الندوات والبيانات، دون أن يجد طريقه إلى البنية الصلبة للسلطة والمجتمع معاً.
تصلنا، بين حين وآخر، بيانات أنيقة الصياغة عن «تحرير المجتمع المدني»، و»استعادة المجال العام»، و»بناء الرقابة الشعبية». كلام شديد الصفاء في اللغة، حادّ في النبرة، لكنّه يظلّ معلقاً في الهواء. لا حديث جدّياً عن أدوات التنظيم، ولا عن موازين القوى، ولا عن كلفة الصدام مع منظومة المصالح العميقة التي تراكمت خلال سنوات طويلة من اقتصاد الريع السياسي، والوظيفة، والمساعدات، والزبائنية.
الانقسام الفلسطيني، في جوهره، ليس فقط صراعاً على الشرعية السياسية، بل هو أيضاً تعبير عن فشل بنيوي في بناء مجتمع أفراد، مستقلّ في خياراته، قادر على محاسبة سلطاته. لا نحن مجتمع جماعي متماسك حول مشروع وطني جامع، ولا نحن مجتمع أفراد حرّ بالمعنى الحديث. نحن في منطقة رمادية: جماعات سياسية مغلقة، وأفراد معزولون، ومجتمع مدني محاصر بالتمويل المشروط، والخطوط الحمراء، والحسابات الأمنية.
ومع غياب أدوات التغيير الواقعي، يطفو على السطح حلّ جاهز: «نريد دولة مدنية». عبارة صحيحة في الجوهر، لكنها تتحوّل في السياق الفلسطيني إلى شعار فضفاض، لا يُجيب عن سؤال السلطة الفعلية: من يملك القرار؟ من يملك السلاح؟ من يملك المال؟ من يملك القدرة على فرض القانون؟ فالدولة المدنية لا تُبنى بالأمنيات، بل بتفكيك منظومات القوة غير الخاضعة للمساءلة، وإعادة تعريف العلاقة بين السياسي والأمني والاقتصادي، وهذا هو المسكوت عنه.
الأخطر من ذلك، أن الفراغ الناتج عن فشل مشروع الدولة الحديثة لا يبقى فراغاً. سرعان ما تملؤه أشكال بديلة من العصبيات: فصائلية، جهوية، عائلية، أيديولوجية، بل وأحياناً دينية مغلقة. وهنا تتكرّس مفارقة قاتلة: نرفع شعارات الحداثة، بينما تُدار حياتنا اليومية بمنطق ما قبل الدولة.
فلسطين، اليوم، لا تعاني نقصاً في الوعي، بل تعاني فائضاً في الوعي المشلول. نعرف تماماً ما نريده: الحرية، العدالة، السيادة، الكرامة. لكننا لم ننجح بعد في إنتاج البنية التنظيمية والاجتماعية القادرة على ترجمة هذا الوعي إلى قوة تغيير. ما بين الاحتلال الذي يشلّ السياسة، والانقسام الذي يدمّر وحدة المجتمع، والاقتصاد الذي يُعيد إنتاج التبعية، يتآكل معنى الإصلاح نفسه.
السؤال الحقيقي ليس: ماذا نريد؟ بل: كيف نغيّر؟ وبأي أدوات؟ وعلى حساب مَن؟ من دون إجابة شجاعة عن هذه الأسئلة، سيبقى الإصلاح في فلسطين، كما في غيرها، خطاباً أخلاقياً جميلاً… مؤجّلاً إلى أجل غير معلوم.