نشرت في 10 يناير 2026 01:02 م
تعيش إيران في المرحلة الراهنة حالة غليان داخلي متصاعد، في ظل موجة مظاهرات شعبية اتسعت رقعتها في عدد من المدن الكبرى، مدفوعة بتدهور الأوضاع الاقتصادية وارتفاع غير مسبوق في تكاليف المعيشة، ما بدأ كاحتجاجات مطلبية على الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، سرعان ما تحوّل إلى تعبير أوسع عن سخط اجتماعي وسياسي، يعكس أزمة ثقة عميقة بين الشارع والنظام.
اقتصاديًا، يواجه الإيرانيون تضخمًا مرتفعًا، وتراجعًا حادًا في قيمة الريال، إلى جانب اتساع رقعة الفقر، لا سيما بين الطبقات الوسطى والدنيا، ومع تقلص فرص العمل وضعف الأجور، باتت شرائح واسعة تشعر بأنها خارج حسابات الدولة، في وقت تتآكل فيه شبكات الحماية الاجتماعية ولا تقابلها سياسات إنقاذ حقيقية.
في قلب هذا الغضب الشعبي، تبرز سياسات الموازنة العامة كأحد أبرز مصادر الاحتقان. إذ تُخصص الدولة نسبًا كبيرة من إنفاقها للمؤسسة العسكرية والأمنية، وعلى رأسها الحرس الثوري، إضافة إلى مؤسسات اقتصادية عملاقة مرتبطة مباشرة بمكتب المرشد الأعلى، مثل مؤسسة المستضعفين ومقر خاتم الأنبياء. هذه الكيانات تحولت إلى مراكز نفوذ اقتصادي تهيمن على قطاعات حيوية كالبناء والطاقة والبنية التحتية، خارج أطر الشفافية والمساءلة، بينما تعاني قطاعات الصحة والتعليم والدعم الاجتماعي من تراجع ملحوظ في التمويل.
هذا الخلل في توزيع الموارد يُقرأ في الشارع الإيراني كخيار سياسي يقدّم حماية النظام على حساب رفاه المجتمع، ويغذي الشعور بانفصال النخبة الحاكمة عن الواقع المعيشي للمواطنين.
على الصعيد الخارجي، تحاول طهران ربط الاحتجاجات بعوامل خارجية، متهمة إسرائيل بالسعي إلى زعزعة الاستقرار الداخلي عبر الحرب النفسية والاختراق الإعلامي، مستندة إلى حالة العداء المفتوح بين الطرفين، ورغم صعوبة إثبات دور مباشر في تحريك الشارع، فإن التصعيد الإقليمي مع إسرائيل، وما يرافقه من كلفة أمنية واقتصادية، ساهم في تعميق الضغوط الداخلية على النظام.
أما الولايات المتحدة، فتتعامل مع المشهد الإيراني بوصفه فرصة سياسية، عبر دعمها العلني لحق التظاهر، واستمرار سياسة العقوبات والضغط الدولي، في إطار استراتيجية أوسع تهدف إلى إضعاف النظام واسقاطه أو دفعه نحو التغيير أو الاحتواء، ومع ذلك يبقى هذا الدور في حدود الاستغلال السياسي للأزمة أكثر منه تدخلًا مباشرًا في صناعة الاحتجاجات.
في المحصلة، تقف إيران اليوم أمام أزمة مركبة، تتداخل فيها عوامل الاقتصاد، والحوكمة، والصراع الإقليمي، ومع استمرار تجاهل جذور الغضب الشعبي، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، تبدو الاحتجاجات مرشحة للاستمرار والزيادة، ما لم تُقدِم القيادة الإيرانية على مراجعات حقيقية تمس أولويات الإنفاق، والعقد الاجتماعي، وطبيعة العلاقة بين السلطة والمواطن.