الكاتب: عاطف أبو سيف

لعنة غزة واليمين الأوروبي

نشرت في 19 أبريل 2026 11:14 ص

الكاتب: عاطف أبو سيف

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429274


 

شكّلت خسارة رئيس الوزراء المجرى، فيكتور أوربان، للانتخابات البرلمانية هزيمة كبيرة لليمين الأوروبي الشعبوي، وإشارة واضحة لما سيواجهه هذا اليمين من تراجع في السنوات القادمة. وفيما لا يمكن إغفال تأثير سياسات اليمين الشعبوي الأوروبي على الاقتصاد وحياة المواطنين، إلا أن ثمة عاملاً مهماً ساهم في تراجع التصويت لهذا اليمين، والمتمثل بمواقف أحزاب اليمين الأوروبي من الإبادة التي ما زالت مستمرة في غزة منذ ثلاثين شهراً. ولعل الوقاحة التي ساندت فيها أحزاب اليمين الأوروبي الإبادة، ودعمها غير المحدود لنتنياهو، ودفاعها عن جرائمه، أثارت السؤال الأبرز في الوعي الأوروبي، والمتعلق بالهامش الذي يمكن أن تتركه السياسة للأخلاق، وهو سؤال ارتبط جزئياً بازدواجية المعايير التي تعامل معها اليمين الشعبوي مع الحرب في أوكرانيا والحرب على غزة.
ارتبط صعود اليمين الشعبوي بأسئلة تتعلق بالأمن والاستقرار في أوروبا، إذ طوّر هذا اليمين خطاباً حاداً موجهاً ضد الهجرة بوصفها تهديداً للدولة، متكئاً على تذمر المواطن العادي من تراجع الاقتصاد وزيادة البطالة، وربط ذلك ليس بسياسات الدولة الفاشلة، بل بوصفه نتيجة حتمية لوجود المهاجرين الذي يستنزف مقدرات الدولة ويأخذ فرص العمل من المواطنين المحليين. وهي ادعاءات ليست صحيحة بكل الأحوال، إذ إن كل الدراسات والتحليلات أشارت للفائدة الكبرى التي كسبتها اقتصادات مثل ألمانيا من وجود المهاجرين. ولكن ومن أجل تمرير الخطاب العنصري الذي يتخذ من التطرف الوطني وسيلة للصعود للحكم تماماً، مثلما كان الحال في عهد هتلر وموسوليني، يتم توظيف تذمر المواطن من فشل الدولة بتذكيره بأن هذا الفشل مرده تدفق المهاجرين. النتيجة كانت تصاعد أفكار الإسلاموفوبيا والتمييز العنصري. كل هذا من أجل الافتراق عن اليمين العادي كما عن الوسط واليسار. وعليه فإن الناخب لم يكن متطرفاً تماماً، بل انجر وراء شعبوية اليمين المتطرف من أجل البحث عن الخلاص الذي قد يمكّنه من تحسين ظروف معيشته. وكالعادة فإن العداء للأجانب كان دائماً جزءاً من أي خطاب شعبوي، فما بالك حين يتم ربط هذا العداء بأداء اقتصادي صعب يتم ربطه أيضاً بتدخلات المفوضية الأوروبية وسياساتها الهيكلية التي تعيد صياغة كل قطاعات الاقتصاد في الدول الأعضاء. وعليه ارتكز صعود اليمين الشعبوي على ثلاث دعائم، تمثلت بتقويض مؤسسات الدولة الديمقراطية دون الجهر بمعاداة الديمقراطية كما محاربة سياسات الاتحاد الأوروبي والعمل على تعطيل هذه السياسات، ومعاداة الآخرين. لقد بشرت مقالة كاس مودي المعنونة بـ»الروح الشعبوية»، التي نشرت في مجلة «الحكم والمعارضة» عام 2004، بهذا الصعود بوصفه ظاهرة مَرضية زائفة ومعادية للديمقراطية نتجت في أوروبا تحديداً عن فساد النظم الديمقراطية.
كان للعنة غزة الفضل بالتذكير بهذا المأزق الأخلاقي الذي فرضه اليمين الشعبوي على الناخب الأوروبي في غفلة فشل الدولة وعجز مؤسسات الاتحاد الأوروبي. فمع عجز هذا اليمين عن تحقيق وعوده الكاذبة حول الاقتصاد وعدم حكمة التخلي عن المشروع التكاملي الأوروبي وغياب البدائل الحقيقية، فإن ما جرى في غزة من إبادة والاصطفاف الصادم لليمين الشعبوي مع الدم والقتل قرعا جرس الإنذار لدى المواطن الأوروبي خاصة الجيل الجديد الصاعد منه، وهو ما أشرت إليه على هذه الصفحة بمقال سابق بجيل غزة. الشعبوية كمنظومة هشة فكرياً وأيديولوجياً لا تستطيع أن تواجه الأسئلة الأخلاقية، هي قادرة فقط على تضليل المواطن عبر الغوغائية والإجابات التي تدغدغ مشاعره حول الآخر وحول التميز العرقي، لكنها لا تقوى على الصمود أمام أي سؤال أخلاقي حول ازدواجية المعايير مثلاً، أو عن جدوى العلاقة مع قاتل مثل نتنياهو أو رئيس مهووس بالحروب وبدعم الإبادة مثل ترامب.
لعنة غزة تعني يقظة ضمير الأجيال الصاعدة التي رأت بعينيها ما جرى للأبرياء في الخيام وسمعت صراخهم، وفي نفس الوقت رأت كيف تصمت حكوماتهم بل وتتعاون مع القاتل. هذه اللعنة هي ما يدفع لاتخاذ موقف مضاد. لنتذكر بأن هؤلاء، أقصد جيل غزة، ليسوا بالضرورة أنصاراً للقضية الفلسطينية أو حتى للمطالب الفلسطينية، بل هم ضد ما يجري للفلسطينيين، فهم مع الضحية وليسوا بالضرورة مع القضية. من هنا تتحقق اللعنة، فهذا الجيل يريد أن ينتقم للإهانة التي شعر بها أمام مواقف حكوماته التي كان يقودها اليمين الشعبوي.
وفيما تظل العيون على الانتخابات الرئاسية الفرنسية القادمة في العام 2027 حيث ثمة احتمال لصعود اليمين الشعبوي للإليزيه، فإن الانتخابات الإيطالية القادمة قد تشهد عودة تحالف الحزب الديمقراطي مع حزب النجوم الخمسة للإطاحة بميلوني. وفيما تسعى الأخيرة للهروب من خسارة مرتقبة العام القادم، بعد أن أطاح جيل غزة من الشباب الغاضب بالاستفتاء الذي طرحته لتعديل النظام القضائي، من خلال اتخاذ بعض المواقف مثل تعليق التعاون العسكري مع إسرائيل، فإن اليسار ويسار الوسط يعملان جاهدَين لتحقيق هذه الهزيمة بالتركيز على خطاب ميلوني السابق الداعم للإبادة أو الصامت عنها في أحسن الأحوال.
لنتذكر رغم ذلك أن بعض أحزاب اليمين الشعبوي في أوروبا قد شهدت تراجعاً واضحاً منذ العام 2023، مثل خسارة حزب القانون والعدل البولندي PiS للانتخابات بعد أن قاد الحكم منذ العام 2014 وفي نفس العام، أي في 2023، خسر اليمين الإسباني وشكّل سانشيز حكومته التي سجلت أنها الأكثر نصرة للشعب الفلسطيني حتى من بعض الدول العربية. بشكل عام، فإن ديدن السياسة الأوروبية أنها تشهد موجات يمين متواصلة ومتصلة تتبعها موجات يسار تصعد مرة واحدة في معظم الدول الأوروبية، وينعكس الأمر على مكونات البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ.
لكن هذه المرة فإن ثمة حضوراً طاغياً لمظلومية الشعب الفلسطيني وللعنة غزة التي ستطارد كل من صمت على الإبادة.
وعليه، فإن الحديث عن انهيار اليمين الشعبوي بشكل كامل قد يبدو استنتاجاً متسرعاً ومبكراً؛ لأن بعض الدول قد تشهد تعزيز اليمين بشكل عام بما يشمل اليمين الشعبوي وبعضها قد يشهد صعوده، لكن في كل الأحوال فإن لعنة غزة ستظل جزءاً من النقاش الأوروبي العام حول مواقف الأحزاب مما جرى وكيف تم تبرير قتل الأبرياء دون وازع أخلاقي، وكيف تم التحالف مع القتلة جهاراً دون خوف. إن المزيد من الفعل يمكن له أن يجلب المزيد من النتائج، ورغم ما يحدث من تحولات في المواقف الأوروبية، فإن الكثير يجب فعله من أجل تعزيز حضور هذا الجيل الجديد الذي اتخذ من لعنة غزة سوطاً يلاحق فيه هذا اليمين المتطرف.