مروان البرغوتي والنخبة الفلسطينيّة الجديدة ....راسم المدهون

thumbgen (10)
حجم الخط
 

من معتقله الإسرائيلي، أطلق القائد الأسير مروان البرغوتي، دعوة لنخبة سياسية فلسطينية جديدة يمكنها أن تحمل مهمات المرحلة ومسائلها الكبرى. ومع أن الدعوة تحتاج الى نقاش أوسع لفحص واقعيتها، فإنها في حد ذاتها تحمل إعلاناً من شخصية وطنية بارزة في حجم البرغوتي بفشل النخبة الراهنة واصطدامها بالجدار. هذه الرؤية السياسية النظرية تأتي في ظروف فلسطينية صعبة، بل لعلّها الأصعب، ليس بسبب ما تواجهه قضية فلسطين الصعبة والمأسوية منذ سبعة عقود مستمرة، لكن أيضاً وأساساً بسبب تآكل الحالة الفلسطينية وعجزها عن اجتراح برامج وحلول لأزماتها.

كما أن الدعوة الى نخبة سياسية جديدة إذ تأتي من شخصية قيادية فتحاوية بالذات، فهي تشكل اجتهاداً سياسياً بارزاً وغير مسبوق يعني، في ما يعني، وجود فراغ سياسي وتنظيمي، خصوصاً أن حركة فتح كانت ولا تزال تلعب الدور القيادي الأبرز وتحمل مهمة قيادة التحالف الوطني الفلسطيني العام في مواجهة الاحتلال ومستوطنيه.

هي بمعنى ما دعوة لإعادة قراءة خارطة وتفاصيل الفصائل والأحزاب السياسية الفلسطينية ورؤية ما شهدته من تطورات خلال العقود الماضية، وبالذات منذ تأسيس السلطة الفلسطينية حتى اليوم. الأمر هنا يتعلق بالفوارق النوعية والجوهرية بين قطاعين متمايزين في الحركة الوطنية، أولهما ذاك الذي التحق بمؤسسات السلطة الفلسطينية العسكرية والمدنية، والثاني المجموع العام الذي لا يزال يلعب دوره السياسي في صفوف الأحزاب والتنظيمات والفصائل ولم ينخرط في وظائف ذات طبيعة قيادية في السلطة.

القراءة الواقعية لمآلات الحركة الوطنية الفلسطينية إذ تدخل هذه المساحة بالذات فهي تدخل حقاً في الممنوع والمسكوت عنه، بل نزيد فنقول: تدخل في الشائك، لكن العميق والحقيقي الذي نعتقد أنه أبرز معضلات الحالة الفلسطينية. هنا بالذات يمكن رؤية خيوط التشابكات بين وهن الأداء والفساد بمعناه الشامل، وحتى رؤية الفساد في أبعاده الكاملة، لا باعتباره مواصفات فردية تتعلق بهذا الشخص أو ذاك وحسب، لكن كعنوان بارز ينتظم المؤسسة الفلسطينية، خصوصاً جسمها القيادي، ويكبلها بقيود عجز تجعلها شبه مشلولة في كل محاولة لاتخاذ موقف سياسي عملي من المواقف، كما يحدث دوماً وبالذات في المعضلتين الأساسيتين: مواجهة الاحتلال والاستيطان، والعلاقة بالجمهور الواسع من أبناء الشعب الفلسطيني.

أعتقد أن دعوة القائد الأسير مروان البرغوتي تتجاوز وصفها كيأس من الراهن الفلسطيني الى أن تكون اجتهاداً سياسياً بارزاً ينطلق من رؤية واقعية تتجاوز العصبوية الحزبية والفصائلية، لتدخل في الأسباب الموضوعية وصلتها العميقة بكل الحالة الذاتية التي كانت ولا تزال خارج القراءة الجادة، بعد عقود طويلة من سياسات إحالة كل المعضلات الفلسطينية الى ما هو خارجها، ونعني بالذات ضغط معضلة الاحتلال، كما مواقف الدول الكبرى ووهن الواقع العربي أيضاً. وبهذا المعنى، نرى الدعوة تذهب في شكل مباشر نحو الأجيال الجديدة من الفلسطينيين الذين يواجهون اليوم أكثر من غيرهم دموية القمع الاحتلالي ووحشية المستوطنين في مدن وقرى الضفة الغربية ومخيماتها، ويدفعون حياتهم ومصائرهم خلال تلك المواجهات، لكنهم لا يحصلون على دور قيادي في المؤسسات الحزبية والسياسية يمكّنهم من المساهمة بفاعلية أكبر في تحقيق مساهمات حقيقية في المرحلة الراهنة والمراحل المستقبلية.

فالساحة الفلسطينية تحتاج الى جدل سياسي جدي ينطلق من رؤى واقعية ومن استبصار يفهم خطوط الواقع ومنعرجاته على نحو عميق وخلاق، ويتحرر من سياسات الرتابة التي لا يصح في وصفها تعبير كما يصح وصفها بأنها سياسات معادة.

عن الحياة اللندنية