إسرائيل تفقد مدماكاً آخر من قدرتها على الردع

b5cdc71f26924978a2a5af3bc8513b95
حجم الخط

ثمة خط مباشر يربط بين انتفاضة السكاكين، مشروع الانفاق الهجومية التابع لـ»حماس»، عدد لا يحصى من الاحباطات لعمليات «حماس» ينسبها جهاز المخابرات له في الضفة، مؤخراً، والعملية التي وقعت، أول من أمس، في مفترق بات في القدس. تفقد اسرائيل مدماكا إثر مدماك في قدرتها على الردع، وحكومتها لا تجد أي اتجاه تتجه اليه هي والشعب الذي تتولى المسؤولية عنه.
لقد خرج الطاعنون الافراد بالعشرات لقتل الاسرائيليين. وقد فعلوا ذلك بسبب الكراهية والتحريض، ولكن ايضا بسبب اليأس العميق من الواقع الذي يتدهور فقط من ناحيتهم. الخوف من أجهزة الجيش والمخابرات الاسرائيلية الجبارة، وتصريحات نتنياهو الصاخبة، هدم المنازل، التهديد بطرد العائلات، مطالبة الوزراء ورجال اليمين الاخرين (والتي نفذت مرات عديدة) بالتأكد من ان يخرجوا موتى من كل حدث – كل هذه لم تردعهم. اما الوعود بايجاد آلية سحرية تعثر عليهم مسبقا، قبل أن يمتشقوا السكين، فقد تبينت هي الاخرى ككلمات فارغة.
في الوقت الذي عمل فيه هؤلاء بلا انتماء تنظيمي، واصلت «حماس» (عمليا، لم تتوقف أبدا) ببناء الانفاق التي ستستخدم لقتل وخطف مدنيين وجنود من الاراضي الاسرائيلية. لقد عللت حكومة اسرائيل الخروج الاضطراري الى حملة «الجرف الصامد»، بالحاجة الى تدمير الانفاق واستئناف الردع. وفي نهايتها وعدنا بان الجيش دمر كل الانفاق الهجومية. وهذا الادعاء، مثلما هي ادارة الحملة بكاملها، يحتاج الى تحقيق. فقد قال مصدر امني رفيع المستوى جدا مؤخرا في محفل مغلق بانه «في كتابه «الشجاعة للانتصار» يروي النائب عوفر شيلح، عضو لجنة الخارجية والامن، تاريخ الادارة البائسة لحملة «الجرف الصامد» بالقيود التي فرضت عليه. اما الحقيقة الكاملة فمفزعة أكثر بكثير».
اذا كانت اسرائيل خرجت الى «الجرف الصامد» كي تدمر الانفاق، فلماذا لم تخرج مسبقا، إذ ان وجودها كان معروفا منذ زمنذ بعيد؟ واذا ما خرجت وادعت بانها دمرتها كلها، فكيف تبقى النفق الذي انكشف، هذا الاسبوع، وكان حفره حسب المعلومات الاستخبارية منذئذ في مرحلة متقدمة؟ واذا كان جرى اعادة بناء قدرة الردع الاسرائيلية في أعقاب «الجرف الصامد»، فكيف يحتمل أن تكون «حماس» واصلت حفر النفق (فقط الله ومحمد ضيف يعرفان كم نفق لم ينكشف بعد) وكأنه لا يوجد شيء؟
كما أن «حماس» غير مردوعة من مواصلة نشاطها المتفرع للمبادرة الى عمليات وضعضعة حكم السلطة الفلسطينية في الضفة. فمعظم هذه الاعمال لم تولد العمليات بفضل المخابرات الاسرائيلية، ولكن هذا لا يغير حقيقة أنه في الواقع الناشئ لا يوجد ميزان ردع بين اسرائيل و»حماس». اسرائيل لا تنفذ احباطات مركزة في غزة، «حماس» تواصل حفر الانفاق، لا تمنع بشكل مطلق اطلاق الصواريخ من القطاع، وتواصل محاولة تنفيذ العمليات من «يهودا» و»السامرة» (الضفة الغربية). اسرائيل لا ترد.
أعلنت محافل سياسية وامنية مؤخرا عن انخفاض في العمليات. وجاء الانفجار في الباص ليصفعها على وجهها. صرح نتنياهو، أول من أمس: «سنعثر على من أعد هذه العبوة الناسفة، نحن سنصل الى المرسلين». يحتمل أن يكون محقا. فخلافا للطاعنين الافراد، فان من عمل، أول من أمس، لا بد أنه ينتمي لمنظمة، ومن وقف خلفه لا بد ستنجح المخابرات في العثور عليه.
عبارة نتنياهو «سنصل الى المرسلين» مليئة بالجسارة والرجولة، ولكن ما الذي قاله في واقع الامر؟ من يقصد؟ ايران التي تدعم «حماس» و»الجهاد الاسلامي»؟ هل يقصد نتنياهو مهاجمتها؟ في كل الاحوال، من الواضح ان من ارسل «المخرب» لا يخاف.
اذا كان الحديث يدور عن «مخرب» انتحاري، فان فشل الردع يكون أخطر. قبل 12 سنة نجحت اسرائيل في الانتصار على من اعتبر لا يمكن الانتصار عليه: خليط من الاستخبارات الدقيقة، الاحباطات المركزة وقيادة ارئيل شارون، جلبت «حماس» لتستجدي وقف النار والكف عن استخدام «المخربين الانتحاريين». الثمن الذي جبي من المنظمة كان ببساطة عاليا جدا. والعودة الى استخدام «المخربين الانتحاريين» تعني بأنه حتى هذا الانجاز أفلت من يد إسرائيل.
عندما لا يكون ثمة طريق واضح للحرب ضد «الارهاب» ولا يوجد بديل سياسي معقول الى جانبه، نبقى اساسا مع التصريحات العالية. ان التأييد العالي لنتنياهو يبين أن اجزاء واسعة من الجمهور الاسرائيلي يشتريها. اما الجانب الاخر، كما يتبين، فيشتريها فبقدر أقل.