انطلاقة مبهمة للمبادرة الفرنسية: «حوافز» لمنع الفراغ.. والإرهاب

d0c97cf3cdd2c5c7fe3a1d0f8213f727_w800_h400_cp
حجم الخط

«لاعبون كبار خفّضوا سقف التوقعات في البيان الختامي» لمؤتمر باريس للسلام. هكذا، لم ينع وزير الخارجية الفلسطيني صراحةً المبادرة الفرنسية في مهدها، والتي تبحث عن راعين، وخصوصاً عن الفلسطينيين والإسرائيليين لكي يلتقوا. باريس ستظل «مشكورة» على جهودها، بحسب المتحدث باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل أبو ردينة، لكن الأمل بالسلام الذي خرج من العاصمة الفرنسية أمس، كان متواضعاً.
وبغضّ النظر عن التعليق الفاتر للسلطة الفلسطينية، جددت اسرائيل رفضها للمبادرة جملة وتفصيلاً، وكذلك فصائل فلسطينية عدة، من بينها «حماس». وزير الخارجية السعودي ذكّر بـ «المبادرة العربية» كحلّ أفضل، أما الولايات المتحدة فكانت حاضرةً لفرض أجندتها.
وفي ختام اللقاء الذي ضم 29 وزيراً للخارجية، اصدر المجتمعون بياناً يؤكد أن «الوضع القائم حالياً» لا يمكن ان يستمر، معربين عن «القلق» حيال الوضع الميداني وسط «استمرار اعمال العنف والانشطة الاستيطانية».
كما اشار البيان الى النصوص المرجعية الدولية، خصوصاً قرارات الامم المتحدة كأساس للمفاوضات.
وصدرت عن الاجتماع اعلانات محدودة جداً، مع اقتراح وزير الخارجية الفرنسي جان مارك ايرولت «إطلاق اعمال» حول الحوافز الممكنة على مستويات الاقتصاد والتعاون والامن الاقليميين لإقناع الطرفين بالعودة الى طاولة المفاوضات.
ووعد الوزير الفرنسي بأن تبدأ فرق العمل «قبل نهاية الشهر»، مضيفا انه سيسعى «بسرعة كبيرة» للتحادث مع رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس لاقتراح «العمل الوثيق معهما».
وفور صدور البيان، اتهم وزير الخارجية الفلسطينية رياض المالكي من وصفهم بـ»لاعبين كبار» من دون ان يسميهم، بخفض مستوى التوقعات في البيان الختامي. وأضاف المالكي «يبدو اننا ندفع ثمن حضور اللاعبين الكبار، بحيث عملوا على تخفيض منسوب البيان وما تضمنه، بحيث غاب عنه كثير من النقاط الاساسية التي كنا نفترض ان تكون موجوده فيه».
وقال «كنا نتوقع بياناً افضل، كنا نتوقع مضمون بيان افضل، ولكن نحن الآن في انتظار ان نسمع من الخارجية الفرنسية والعرب الذين شاركوا في هذا الاجتماع».
وفي اول تعقيب للرئاسة الفلسطينية على الاجتماع الفرنسي، اكتفى المتحدث باسمها نبيل ابو ردينة بالقول «إن الموقف الفلسطيني والعربي، وفق قرارات المجلس الوطني والشرعية الدولية، هو بإنهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة بعاصمتها القدس الشرقية على حدود 1967».
وأضاف «كذلك عدم المساس بمبادرة السلام العربية، والحفاظ على الحقوق الوطنية الفلسطينية لان ذلك هو الطريق الوحيد الذي يحقق الامن والاستقرار».
وأكد ابو ردينة «التزام الجانب الفلسطيني بسلام عادل وشامل وفق حل يحافظ على مقدساتنا وحقوقنا وتاريخنا».
وكانت أعمال المؤتمر قد بدأت بإعلان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أن «التغييرات في الشرق الأوسط تلزم القوى العظمى في العالم بلعب دورٍ مركزي في محاولة حل النزاع». ومع ذلك، أكد أن «إسرائيل والفلسطينيين فقط يمكنهم اتخاذ القرار بحل الأزمة وتحقيق السلام».
وبدا واضحاً أن مشاركة الولايات المتحدة في المؤتمر جاءت للإيحاء بانفتاحها على أي حلول أخرى في مواجهة استمرار التعنت الإسرائيلي.
وافتتح اللقاء بمشاركة وزراء خارجية من 29 دولة للبحث في الجمود السياسي، ولتحديد موعد لمؤتمر السلام بحسب المبادرة الفرنسية. وأعلن هولاند أنه «لهذه المبادرة هدف واحد لحث العملية السلمية الإسرائيلية ـ الفلسطينية. فالعنف يتزايد والأمل يتبدد، ولذلك فإننا نريد محاولة إحياء العملية السلمية. علينا العمل من أجل الاعتراف بأنه في السياق الإقليمي ـ كل فراغ سياسي سيملأ بالتطرف والإرهاب».
وبحسب هولاند، فإن «استمرار الوضع القائم يقود إلى ازدهار العنف والإرهاب. والوحيدون الذين سيكسبون من استمرار الوضع القائم هم المتطرفون المعارضون للسلام. إن اتفاق السلام بين إسرائيل والفلسطينيين ينبغي أن يضم دول المنطقة. فالأمور تغيرت في السنوات الأخيرة. هناك حرب في سوريا، في العراق، والإرهاب في المنطقة. وهناك من سيفسر ذلك كاحتمال لترك الموضوع الإسرائيلي ـ الفلسطيني، لكنني أزعم العكس. فقط الطرفان نفسيهما يمكنهما اتخاذ الخطوة الشجاعة نحو السلام. نحن لا يمكننا فعل ذلك بدلاً منهما، وإنما فقط المساعدة وتقديم الضمانات».
وأضاف الرئيس الفرنسي أنه «في لقاء اليوم، علينا التشديد على أن السلام يتحقق عن طريق إنشاء دولتين لشعبين يعيشان جنب إلى جنب بأمن. وبعد المؤتمر، علينا إنشاء مجموعات عمل لتشخيص الخطوات التي ينبغي تنفيذها من أجل السماح باستئناف المفاوضات. علينا التفكير كيف نمنع التصعيد، وما هي ترتيبات الأمن المطلوبة، وما هي العواقب. علينا خلق الأرضية المناسبة التي تسمح باستئناف المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين. إن هذا النزاع استمر أكثر مما ينبغي، والهدف هو العثور على الشروط الملائمة للسلام. آمل أن العملية التي نحركها اليوم ستصل إلى النهاية المأمولة، وهي تحقيق السلام».
وفي ختام الاجتماع، حذّر آيرولت من «خطر جدي» يهدد الحل القائم على مبدأ الدولتين، لافتاً الى ان الوضع يقترب من «نقطة اللاعودة».
وأضاف «يجب التحرك بشكل عاجل للحفاظ على حل الدولتين وإحيائه قبل فوات الاوان»، مكرراً عزم فرنسا على تنظيم مؤتمر بمشاركة الاسرائيليين والفلسطينيين قبل نهاية العام.
بدورها، اعتبرت مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني أن «من واجب اللاعبين الدوليين والإقليميين أن يجدوا منفذاً لأن الجانبين عاجزان عن فعل ذلك وحدهما».
وأضافت «سياسة التوسع الاستيطاني وعمليات الإزالة والعنف والتحريض تكشف لنا بجلاء أن الآفاق التي فتحتها أوسلو عرضة لأن تتلاشى بشكل خطير».
ورأى معلّقون إسرائيليون أن انعقاد اللقاء التمهيدي لوزراء خارجية الدول المشاركة بحضور أميركي يوجّه ضربة شديدة لحكومة إسرائيل ويظهر عزلتها الدولية.
وكتب باراك رابيد في «هآرتس» أن إسرائيل استقبلت المبادرة الفرنسية بعدم جدية، معتقدة أنها سوف تُلقى سريعاً في مزبلة التاريخ. ولكن مع مرور الوقت تبين أن الفرنسيين يواصلون التقدم بالمبادرة بكل قوة، وأنهم جنّدوا المزيد والمزيد من الدول لتأييدها. وفي نظر رابيد، فإنه رغم عدم الحماس من جانب بعض الدول للمبادرة الفرنسية، خصوصاً أميركا، إلا أن مشاركتهم فيها وتأييدهم لها جاء باعتبار أنها «اللعبة الوحيدة» في المدينة.
وخلص رابيد إلى أن المبادرة الفرنسية ترمز إلى يأس الأسرة الدولية من الزعامة الإسرائيلية والفلسطينية. وكتب أن نتيجة هذا اليأس ما قد يظهر لاحقاً على أنه نهاية المفاوضات الثنائية والمباشرة بين إسرئيل والفلسطينيين، والتدخل الدولي في الصراع.
وبدا في الأيام الماضية أن الحكومة الإسرائيلية تتخبط في كل الاتجاهات، محاولة اثبات أن لديها بدائل للمبادرة الفرنسية. وعدا عن المحاولة الفاشلة لجعل مصر بديلاً لفرنسا ووضع المبادرة العربية في مواجهة المبادرة الفرنسية، حاول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو توريط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الأمر. والأهم عند نتنياهو الآن هو إظهار أن هناك حركة سياسية، وأن المبادرة الفرنسية ليست الخيار الوحيد. ولهذا السبب تجدد الكلام في إسرائيل حول احتمال انضمام المعسكر الصهيوني بزعامة تسيبي ليفني وحزب عمل اسحق هرتسوغ للحكومة. لكن من الواضح أن ألاعيب نتنياهو هذه لم تقنع أحداً بالمقامرة والاعتماد عليها أو أخذها بجدية.
وكان المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية دوري غولد قد أعلن استمرار رفض إسرائيل للمبادرة الفرنسية، مؤكداً أن لا سبيل للسلام سوى المفاوضات المباشرة من دون شروط مسبقة. وقال إنه «إذا كان لك نزاع مع الجار، لا ينبغي السفر إلى فرنسا، وجلب السنغال، من أجل حله». وأشار إلى أنه «قبل مئة عام، حاول سايكس وبيكو فرض نظام جديد في الشرق الأوسط، ولكن الأمر فشل حينها، ويفشل حتى اليوم. وأضاف أن المبادرة الفرنسية «تؤثر على حفز الفلسطينيين نحو السلام معنا».
وكانت واشنطن قبل بدء مؤتمر باريس قد حاولت تخفيض سقف التوقعات من المؤتمر. وأشارت مصادر أميركية إلى أن وزير الخارجية، جون كيري، لا ينوي عرض أفكار محددة على المؤتمر، وأنه يؤمن أن التسوية تتطلب تنازلاً من الجانبين. وأوضحت هذه المصادر أن مؤتمر باريس سوف يعيد التأكيد على الحوافز الاقتصادية والضمانات التي سبق وعرضت على الطرفين في السنوات الأخيرة لحثهما على التسوية. وقالت هذه المصادر إن «الولايات المتحدة وصلت للإصغاء للأفكار الفرنسية ودول أخرى والحديث عما يمكن أن يحث التسوية».
إلى ذلك، ردّ وزير الخارجية السعودي عادل الجبير أمس على كلام نتنياهو الأسبوع الماضي عن المبادرة العربية ودعوته لتعديلها. وقال الجبير إن المبادرة العربية التي أطلقت في العام 2002 تضم «جميع العناصر التي تتيح التوصل الى السلام» في الشرق الاوسط.
وفي تصريحات صحافية في ختام اجتماع لقاء باريس التشاوري، نفى الجبير اي تعديل لهذه المبادرة، معتبراً إياها «الفرصة الافضل» من اجل تسوية، «ونأمل بان تسود الحكمة في اسرائيل، وان يوافق عليها الاسرائيليون».
وذكّر بأن المبادرة تلحظ بالخصوص «اتفاق سلام بين اسرائيل والبلدان العربية» و «علاقات طبيعية» بين الجانبين «مقابل الانسحاب من الاراضي التي تم احتلالها في العام 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية».