لعبة خداع: تحويل هيلاري ضحيةً لـ "قوة عظمى" لرفع أسهمها الانتخابية !

cms-image-000034655
حجم الخط

بنظرة اولى، فان الادعاء القائل بأن من مصلحة الكرملين الواضحة انتصار دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة يعتمد على أسس قوية وصلبة.
ففي نهاية المطاف، لا يخفي رجل العقارات تقديره الكبير لبوتين وامكانياته القيادية.  وقبل أيام فقط أوصى مرة اخرى بتحسين العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا.
ووضع ترامب ايضا مبدأ الضمانة الجماعية، التي يعتمد عليها «الناتو»، موضع التساؤل، حيث إن المطلوب من الولايات المتحدة مساعدة كل شريكة في الحلف اذا سقطت ضحية العدوان الروسي.
في نظر ترامب، هذا التدخل يجب ألا يكون اوتوماتيكيا، بل في حال تبين أن «الدولة الضحية» أوفت بكل التزاماتها المالية للحلف.
حسب هذه النظرة التجارية للبُعد الاستراتيجي، هناك مكان للاعتقاد بأنه اذا دخل ترامب البيت الابيض فانه سيضع السياسة الخارجية والامنية للولايات المتحدة في مسار مريح أكثر بالنسبة لبوتين، وسيطمح الى تخصيص وقته وجهده للساحة الداخلية.
على هذه الخلفية ليس مفاجئا أن التسريبات الكثيرة من مركز الحزب الديمقراطي، والتي كشفت عن الاعمال التآمرية لهيلاري كلينتون، تمت نسبتها الى قراصنة عملوا تحت إمرة السلطة في روسيا وهم يهدفون الى اضعاف مكانة ومصداقية كلينتون.  ورغم أن هذا التحليل يبدو منطقيا، إلا أنه يجب عدم التسليم به.
أمام بوتين ليس فقط اقوال ترامب ولهجته، بل ايضا اعمال واخطاء كلينتون التي كانت وزيرة الخارجية في ولاية اوباما الاولى. وفي هذا السياق فان الصورة التي تتشكل، ليس فقط في نظر بوتين، هي صورة الشخصية التي بذلت كل الجهود من اجل الامتناع عن الاحتكاك بالنظام الروسي وتبنت بحماسة نظرية اوباما حول ضرورة بلورة جبهة مشتركة مع موسكو في عدد كبير من المواضيع، بما في ذلك السلاح النووي الايراني.
ونظرا لأن وزيرة الخارجية لعبت دورا مهما في السلطة التي منذ بداية طريقها سعت الى المصالحة واعتمدت على «قوة مرنة»، فتم طرح سؤال اذا ما كان الكرملين بالفعل يريد انتصار ترامب، حيث إن المخفي أكثر من المكشوف.
أليس من الافضل لبوتين أن تصعد ادارة جديدة الى واشنطن في 20 كانون الثاني وعلى رأسها رئيسة معروفة ويمكن توقع سلوكها في المستقبل؟ لا سيما أن ترامب يفتقد للتجربة وقد يتصرف بشكل غير متوقع ومغامر، الامر الذي يناقض تصريحاته.
إن عودة كلينتون الى البيت الابيض قد تباركها موسكو لأن الحديث يدور عن شخصية معروفة ومجربة وحذرة وتؤيد المسار الذي يؤدي الى المصالحة والحل الوسط.
لذلك، اذا كانت روسيا بالفعل هي التي اخترقت مستودع معلومات الحزب الديمقراطي وقامت بتسريب المعلومات في الوقت الحالي، فلا يجب الغاء امكانية أننا أمام خداع بطريقة «عكس العكس». وبكلمات اخرى، مثلما كانت الحال اثناء الحرب الباردة، يمكن القول في هذه المرة ايضا إن المفارقة هي تعزيز مكانة كلينتون من خلال تحويلها الى ضحية تسريب ومؤامرة من قبل قوة عظمى اجنبية دخلت الى الحملة الانتخابية.
في كتاب جون لا كارا، الذي لا ينسى «الجاسوس الذي عاد من الكافور»، حققت عملية الخداع التي خططت لها بريطانيا جميع اهدافها في المانيا الشرقية (التي تواجد فيها ايضا فلادمير بوتين في نهاية الحرب الباردة، حيث عمل في خدمة الـ كي.جي.بي). في السياق الحالي ليس واضحا بعد كيف يتعامل الجمهور الأميركي مع القضية، وهل سيؤثر ذلك على الحسم في تشرين الثاني. في جميع الحالات، رياح الحرب الباردة عادت وهي تهب بقوة من الشرق.