كيف نؤيد .. وكيف نعارض ولماذا؟

thumbgen (17)
حجم الخط
 

تواجه مصر وضعا بالغ الصعوبة ومن ثم يتعين على كل القوى التى تمتلك حرصا حقيقيا على مصر وشعبها ومستقبلها أن تتوقف أمام هذا الموقف شديد التعقيد لتحدد موقفها. والحقيقة المؤسفة أننا نواجه بقوى وشخصيات تسرع ودون تفكير متأن ودون رؤية تستهدف حماية المصلحة الوطنية بالصراخ بكاء وعويلا أو الصراخ ابتهاجا وتهليلا بينما الصراخ بذاته يفقد أى موقف يتجاهل ما نحن نعيشه من تناقضات وتداخلات متشابكة سواء فى المصالح أو الأهداف اتزانه المطلوب. وثمة حكمة اغريقية تقول لا تصرخ برأيك فمجرد الصراخ به يفقد رأيك اتزانه.

لكن الأمر أكثر تعقيدا من ذلك، ففى موقف كذلك الذى نعيش نحتاج إلى أمرين اساسيين. أولهما اتقان اختيار المفردات عند تحديد أى موقف فاللغة العربية هى بذاتها شديدة التعقيد، وهنا وإذ يسرع من يعبر عن رأيه باستخدام كلمة «تحدد موقفه فعليه أن يحاذر من أن من يتلقفها قد يسرع باستخدامها بسوء نية أو بحسن نية فيرتبك موقفه ويساء فهمه أو يتشتت فهمه من جانب الآخرين حسب الهوي، وثانيهما : أننا إذ نحاول أن نحدد موقفنا من الحالة الراهنة فإن الأمر لا يتعلق بموقف فرد أو جماعة أو حزب من النظام بذاته دونما نظر إلى تداخلات وتشابكات وعلاقات ومواجهات متداخلة ومتناقضة فى آن واحد.

فهى شبكة يتداخل فيها العدو الاخوانى الارهابى وإرهاب داعش والقاعدة وتداخلهما معا وحماس وانتمائها المذهبى للجماعة الارهابية وأنفاقها التى يتسلل منها ذهابا وجيئة ارهابيون واسلحة ومخدرات وغيرها، وايضا شبكة مليارديرات الفساد والإفساد المتراكم عبر عدة عقود، وكذلك البيروقراطيون الذين يبنون مصالحهم على اتقان استخدام الدستور والقوانين استخداما ملتويا ومستندا إلى نصوص قديمة وحديثة تربك كثيرا من التصرفات (وهو ما يتجسد امامنا ظاهرا فى الايام الاخيرة)، وكذلك الخطر المتمثل فى الخصوم الخارجيين فى أمريكا وبريطانيا ودول اوروبية اخرى، وكذلك تركيا وقطر وايران وغيرها، وأيضا ما يحيط بحدودنا فى ليبيا وتخومها وما يحيط بها من حدود مكشوفة تمتد إلى جيران آخرين يضمرون لنا عداءً فكريا لا تخفيه ابتسامات زائفة لا تلبث أن تتضح حقيقتها مع أى ضغط إثيوبى، وكذلك البحر الاحمر الذى كان وإلى زمن ليس ببعيد مياها صديقة بمجملها تقريبا فأصبحت سواء بمدخلها أو سواحلها ، غير ذلك تقريبا، وفى ظل هذه الاوضاع المتداخلة والمتشابكة والمتناقضة نحتاج أن نبنى رؤيتنا الفكرية والسياسية والاقتصادية، ومن ثم الاجتماعية بشكل شامل وغير قابل للتجزئة، ذلك أن التجزئة. وعلى هذا فإننا سنحاول أن نستعرض مقترحا بملامح موقف متكامل يحتاج فى مجموعه ومفرداته إلى تأن فى صياغته، فعندما نسأل كيف نؤيد ولماذا؟ يتعين ألا نغفل منجزات ضخمة لم يكن المصريون يحلمون بها، ومنها على سبيل المثال مواجهة العشوائيات ومئات الآلاف من وحدات السكن الملائم وبأسعار معقولة بما ينهض بمستوى حياة إنسانية ويستحق الاشادة وأيضا العمل الجاد لاسترداد الاراضى المنهوبة، وهناك الانجازات الهائلة فى شبكات الطرق التى تفتح شرايين النقل والانتقال الضرورية لبناء أى اقتصاد ناجح وكذلك الاهتمام بمحاولة تغيير التركيب المحصولى وبناء آلاف الصوبات لتطوير زراعة حديثة يمكنها أن توفر المياه التى هى بذاتها شحيحة ويمكنها أن توفر أساسيات من الاحتياجات الغذائية الحديثة والمزارع السمكية ومشروعات الثروة الحيوانية والاهتمام برفع نسبة المكون المصرى فى الصناعات التحويلية وتشجيع المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر والتى برغم محدوديتها تمثل توجها مهما، وكذلك نقاط الخبز وتوفير بعض احتياجات أصحاب البطاقات التموينية ، كذلك يتعين علينا رغم ما سنراه فيما بعد من خلاف وانتقاد بعضه تشوبه القسوة تجاه بعض تصرفات النظام التى يقولون إنها تأتى بسبب أوضاع خاطئة ومتراكمة، وبعضها يقال إنه ضرورى بسبب عثرات مفروضة وصعبة، وعندما يأتى صوتنا منددا بهذا الخطأ أو ذاك ويكون فعلا خاطئا وضارا فإننا يتعين أن نحاذر أن مثل هذا الانتقاد يجب أن يأتى متضمنا رؤية متكاملة بما يحمله من مبررات مقبولة وتداعيات غير مقبولة مدركين وبوعى وطنى كامل أن ثمة متربصين من اعلام يستهدف الاثارة وآخر معاد ومتربص فيتحول النقد الصائب إلى سلاح مضاد. كذلك يجب أن نلاحظ أن ثمة قنوات متأسلمة تتسلط على أذهان المواطنين البسطاء وتستخدم دعاوى لا علاقة لها بصحيح الاسلام لتروج لافكار تكون مزرعة لاستنبات الارهاب والارهابيين ذلك وهنا يتعين علينا أن نحاذر ونحن نطرح افكارا تجديدية نعتقد بصحتها بضرورة استخدام مفردات دقيقة وتأويلات محاذرة وأن نحصن ذلك كله بالسعى لحشد قوى ديمقراطية وليبرالية ووطنية لحراسة هذا القدر المتاح من مساحة الوعى بصحيح الدين، وألا نجدف بمقولات حرية التعبير فى الاتجاه الخاطئ، وكذلك الحال عند الحديث عن التصرفات الخاطئة لبعض رجال الشرطة كبارا او صغارا.

عن الاهرام