هكذا تضع فلسطين الامل وتبقى شعلة الحرية والكرامة

التقاط
حجم الخط

 

*اظن اننا تكيفنا تماما تماما، تهندس عقلنا وانتظمت خطواتنا وتربع تفكيرنا وشذبت كلماتنا، وصرنا نتحرك كالات الكترونية وفق نظام عقلهم الذي برمجنا، لهذا لا تحاول ان تضطرب اذا اوقفوك اربع ساعات على حاجز جبع العسكري، دخن كثيرا تسلّى مع نفسك الى حين يشير جندي او جندية باصبعه او بارودته او بحذائه كي تعبر الى حاجز آخر.

حاول ان تستخدم خيالك القديم، استدعي ما كان هنا حولك، كانت شجرة قطعوها ، كان جبلا مزروعا بالزيتون صار مستوطنة كبيرة، كانت هناك خروبة او مغارة، جرفوها وأقاموا عليها برجا يطل عليك من أخمص قدميك حتى غرفة نومك.

حاول ان تكون مع حبيبتك الاولى، الم تكونا هنا؟ الم تضمها وتخفي هديتك عنها؟ وقد نثرت كلامك الرومانسي كثيرا حتى تخيلت ان طيور السماء ترقص معكما ايها العاشقين البسيطين، اكتب لها من السجن انك لا زلت تحبها وان كل شيء سيعود كالسابق، حاول ان تعيش معها ، ربما تخرج قليلا من فوق السياج والحسرات.

تجمع مع نفسك، لملم عظامك وتفقد دمك وانت في بيت عزاء هذا الشهيد الطفل الذي قتلوه وسحلوه وجروه، يشر دما وصراخا، ينادي على امه وطلاب مدرسته، قل لقد سقط من اجل الحرية والكرامة ، انثر مواساتك على جثته ، تفقد سلاحك، وحاول ان تحييه بسرعة ، وان تعيده الى اشتباك الحجارة، فله وجهان، وجه في الموت، ووجه في الضوء.

هذا موت كثير، ولكن هناك امل، لأننا قرأنا اجسادنا وسمعنا قلوبنا الخافقات، هناك أمل، هناك مؤتمر باريس الدولي، هناك مصالحة وطنية، هناك من يذكر اسمنا في المحافل الدولية، هناك قرار مجلس الامن، انت الوحيد الذي تحمل فأسا و مجرفة وتابوتا، وأنت الوحيد المشبع بالقرارات والمواقف، هناك امل ، وما على الرياح سوى ان تتعهد بأشلائنا وتلقح الاجيال القادمة.

ابنك الصغير، خرج منك، اصبح شبحا في معتقل المسكوبية، جردوه من ملابسه، ضربوه ، بصقوا في وجهه، شبحوه طوال الليل، اشبعوا روحه خوفا وفزعا، ابنك الصغير تغير، يرتجف، مرعوب ، خارج جسده وطبيعته، لا يرغب بالاكل واللعب والدراسة ، كل ما حوله ليل وكوابيس، يمكنك الآن ان تقتنع ان الطفل الصغير يقاتل الشبح الكبير.

ابنك الصغير اصبح معاقا، الكابتن الاسرائيلي المدعو نضال يتعمد اطلاق النار على ركب الفتيان المتظاهرين، انه يحمل عكازين امامك، يتوكأ عليك، يسألك ان كان يستطيع ان يعود الى الملعب وكرة القدم، ويسألك ان كان يستطيع ان يركض في الشارع ، ويسألك هل يقوم التراب على قدميه ويشفى بعد قليل.

ابنك الصغير مصاب بسرطان الدم، تعرض لجلطة قبل اعتقاله، اصابعه متشنجة، يقبع في سجن عوفر، وتعتقد ان قاضي المحكمة سوف يفرج عنه ، فهو مريض، وتعتقد انهم قرأوا ملفه الطبي ، ولكنك تصاب بالدهشة والمفاجأة، فقد صدر حكما قاسيا عليه، سيبقى إذا بالسجن، وسيبقى المرض كالوقت يسري في جسده وجسدك، هم أفرغوا الكون من العدالة، وانت تعبيء كونك بالرجاء ، لا تتوقف عن الحلم.

دعوك الى بريتك السماوية، هي منطقة خرجت عن سيادتك، بيوت مهدمة، اراضي مسيجة، لا غزلان لا شنانير كما توقعت ، صمت التراب والحجارة والاغتراب، وعلى تلة أقاموا كرفانا ، وعلى تلة صار الكرفان بيتا، وعلى تلة زحف الكرفان الى كل ارضك ودواليك، طردوك من بريتك ومن اعشاشك بعد ان قصوا الاجنحة، صرت في قوقعة ضعيف النظر، ولا تجيد قراءة نبوءة مستوطنو التلال الذين صنعوا لأنفسهم أبا ونبيا والقوك الى العدم.

لا تشكك كثيرا، نحن كنا هنا، كان لنا ميناء وسفن، وكان لنا صحافة وأحزاب وشعراء وفنانين ومسارح وسينمات، وعلى ارضنا جاء كل الرسل والانبياء والمبشرين، أقاموا كنائسهم وجوامعهم، وأكيد لو كان ابو سلمى حيا لنشر على لهب القصيد شواك قبل ان يشطبوك من زمنك الجميل.

هكذا اكتب هذا الذي تقرأه ايها القارىء مبتسما، وانا اقيس الوطن بانفاسي، ما اصغر هذا الوطن وما اكثر الشهداء والاسرى، فالمعنى يعيش في البقاء، وتلك القدم المعاقة بدأت تتعلم علم الجبر، وذلك الطفل الاسير بدأ يخرج من شبحه ، يستعيد عافيته ، يختزن ايامه الآتيات زيتا لقناديله مجسدا فلسطين بكل عظمتها وانسانيتها.

تحت قدمي مسامير كثيرة ..

تحت قدمي يرن جرس العالم ..

هم يحملون السماء داخل التوراة ..

وان احمل السماء داخل روحي ..

لكن تلك هي طريقي ..