الكاتب: عبد المجيد سويلم

آخر الحروب تشارف على نهايتها الحاسمة!

نشرت في 12 مارس 2026 10:56 ص

الكاتب: عبد المجيد سويلم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/427716



 

سأُحاول أوّلاً أن أشرح لماذا هذه الحرب هي الحرب الكبيرة الأخيرة.
ببساطة لأن وجود رئيس لأميركا على هذه الدرجة من الاستعداد للانخراط في الأهداف الكاملة والمباشرة للمشروع الصهيوني الجديد والمتجدّد أصبح من المستحيلات السياسية في المدى المنظور، ليس بسبب عدم وجود مثل هذا الرئيس في أميركا، وإنّما بسبب تحوّل الواقع السياسي في الأخيرة، والذي يعبّر عن أزمة عميقة تطال وتتعلّق بالمصير الإمبراطوري لها لم يعد يسمح بفرصة كبيرة وحدّية على هذا الصعيد، حتى وإن كان وجود ما يكفي من الأسباب الأميركية الخاصة للذهاب إلى هذه الحرب.
وكان يمكن أن تتجدّد هذه الفرصة ولو جزئياً لو أن أميركا حسمت هذه الحرب بصورة نهائية لمصلحتها.
أقول جزئياً لأن الجيل الأميركي الصاعد اكتشف مدى الضرر البالغ الذي ألحقه الالتحاق التام، والانخراط، بل والالتحام المفضوح بأهداف المشروع الصهيوني، والتضحية بالمصالح الحقيقية للولايات المتحدة، خصوصاً بعد انكشاف حملة الابتزاز المنهجية المنظمة التي تعرضت لها الإدارة بالذات بعد «انفجار» فضائح الجزيرة الشيطانية.
أختلف مع التقديرات التي رأت في هذه الحرب، بكل ما انطوت عليه من دمار هائل في الأصول الأميركية بالإقليم، وفي منطقة الخليج العربي تحديداً، ومن دمار أكثر هولاً في إيران، وفي دولة الاحتلال، ومن دمار أشمل وأخطر، إذا لم يتم وقف هذه الحرب قبل فوات الأوان، وفي الذهن من الدمار الذي سينتج عن استخدام السلاح النووي.
أختلف هنا بالكامل مع الذين لم يروا في هذه الحرب إستراتيجية أميركية مبيّتة أو كامنة لتهديد روسيا بعد «السيطرة» على الغرب الآسيوي، ومن تهديد أكبر وأعمق وأشمل وأخطر للصين في مصادر تزويدها بالطاقة، وفي طرق تجارتها العملاقة، وفي الإستراتيجيات الصينية لتأمين هذه المصادر والطرق.
هذه الحقائق معلنة ومكشوفة، بل ومفضوحة، والمسألة هنا لا تحتاج إلى أي دليل، المسألة هي أن أميركا بوجود هذا القدر المرعب من التحامها بالمشروع الصهيوني الشامل، وبالقيادة «اليمينية» العنصرية التي تتربّع على مقاليد الحكم والتحكّم في دولة الاحتلال الفاشية، قد أدّى بها إلى المسارعة والتسرّع، ما أوقعها في فخّ الحسابات الخاطئة.
وهنا يمكننا أن نتحدث عن «عمى البصر والبصيرة» التي جعلت هذه الحرب تبدأ بالتوقيت الإسرائيلي. وهو توقيت خبيث في أهدافه العميقة، لأن التأخير في الحرب كان يعني «المغامرة» بالفرصة الأخيرة التي بيّناها. ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عرف كيف يستثمر في طبيعة هذه الإدارة عندما زيّن لها أن النتائج ستكون أقرب ما يمكن إلى «المضمونة» من خلال عصابته في الإدارة الأميركية.
الإدراك العميق لتشابكات وتقاطعات هذه المعادلة مسألة أكثر من ضرورية لإدراك ما ترتّب حتى، وما سيترتّب عليها في الأيام القريبة القادمة.
بعد فشل ضربة «قطع الرؤوس» بإسقاط النظام الإيراني أو حتى بزعزعته، وصلت أولى الأخبار السيئة إلى ترامب، وإلى «الخليّة العقارية»، وبدأ عدد كبير لا يستهان به من نشطاء الجزيرة الإبستينية بالتجسس على رؤوسهم، ودخلت الإدارة في ارتباك غير معهود، والتحق عتاتهم، بطريقة «الترامبية» من الحملات الاستعراضية التلفازية، وأجهدوا أنفسهم في «شرح» المخطّطات «الشريرة» لإيران، وشرعوا بحملات مضحكة عن «التهديد» الذي تمثله الأخيرة على حلفاء أميركا، بل وأصبحوا يجاهرون بضرورة «التخلّص» من إيران بأي ثمن، حتى وصلت الأمور بترامب نفسه للتهديد بمحوها من الوجود، وهو تهديد يودي بصاحبه إلى السجن، بعد تجريده من الصلاحيات في أي نظام ديمقراطي حقيقي.
مباشرة بعد الأخبار السيئة الأولى جاءت الأخبار الأكثر سوءاً. فقد ردّت إيران بعد ساعة ونصف الساعة، وفي إطار خطة محكمة كما يتبين الآن ــ بإغراق منطقة العمليات الخاصة بالقواعد الأميركية بالطائرات المسيّرة والصواريخ وبما يزيد على نصف دائرة البيكار، وبدأت بعملية تدمير مدروسة ودقيقة، ومدعومة بقاعدة بيانات استخبارية مدهشة، إلى أن وصلنا إلى تدمير الجزء الأكبر من الرادارات الإستراتيجية، ومن معدّات الرصد والمراقبة الأكثر تطوّراً على مستوى العالم كلّه، ومن أصول أميركية عسكرية وأمنية على أعلى درجات الخطورة والحساسية، هذا إضافة إلى بدء إطلاق الصواريخ الثقيلة على دولة الاحتلال.
وتوالت الأخبار السيئة التي وصلتنا إلى انتخاب المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، بأغلبية 87 صوتاً من أصل 88، كما ذكرت بعض الأوساط الإيرانية، وثبت أن مقتل القيادات الإيرانية في الضربة الإيرانية والتي تسمّى ضربة الترويع والصدمة، إضافة إلى أشدّ أنواع التدمير.. ثبت أن القيادة الإيرانية ما زالت متماسكة، وأنها أعدّت نفسها جيداً لهذه الحرب العدوانية.
واضح للغاية، وبما لا يقبل مجالاً للشك، أن إيران، وبعد أن دمّرت الأصول الأميركية في الخليج العربي أو شلّت قدرتها، انتقلت إلى مرحلة جديدة ونوعية ــ كتبنا عنها في المقالين السابقين ــ مفادها أن هذه الحرب لا يمكن اعتبارها مجرّد وجودية ومصيرية فقط، وإنّما هي الحرب التي يجب أن تؤمّن لإيران إزالة التهديد الذي تعرضت له على مدى عدة عقود.
بدأت إيران الآن تفصح عن معالم هذه الإستراتيجية الإيرانية، المَعلم الأوّل هو أنها لن تقبل بعد اليوم بأقل من الاعتراف الرسمي والشرعي ببرنامجها السلمي دون أي لبس أو مواربة، وإلّا ستصبح مجبرةً على الانتقال السريع إلى البرنامج العسكري بعد أن تمّت مهاجمتها بصورة هائلة أثناء تواجدها في مفاوضات معلنة، وهو الأمر الذي يعني أنه لم يعد ممكناً القبول بهذا الاستهتار الذي وصلت له الإدارة الأميركية، وأن على إيران الآن أن تدع أميركا لكي تختار هي بنفسها، أيها تريد وتختار.. مع التأكيد أنه لا منطقة رمادية بينهما.
المَعلم الثاني هو أن إزالة التهديد تعني رفضاً مطلقاً لأي تواجد أميركي في منطقة الخليج العربي لأن أي تواجد، وكل تواجد فيه، هو بمثابة تهديد مباشر وصارخ للأمن القومي الإيراني، وبما يصل إلى درجة التهديد الوجودي لها.
وبالتالي فهي على كامل الاستعداد لتقديم كافة الضمانات التي تضمن لجيرانها الخليجيين الانتظام في نظام إقليمي آمن وموثوق لكل أطرافه.
ومن هذه الزاوية لم تعد إيران على أيّ استعداد «لحفلات» المجاملة السياسية والدبلوماسية التي تتذرّع بالحياد، وتؤكّد على معارضة الحرب، في حين لا تمنع من استخدام هذه القواعد لمهاجمة إيران، ومحاولة تدميرها.. هذه مرحلة انتهت، والحل واضح وبسيط نظام إقليمي واحد.
المَعلم الثالث هو أن إيران كانت منذ عقود دولة عظمى قارية بالنسبة للقسم العربي من آسيا، وإقليمية بالنسبة لإقليم الشرق الأوسط، وهي بالتالي لن تقبل بأقلّ من اعتراف «الغرب» أوّلاً، و»الشرق» ثانياً، وهو أمر من قبيل التحصيل الحاصل، وأنها لن تقبل بعد اليوم بأقلّ من سيادة لبنان وسورية والعراق واليمن على أراضيها، ولن تقبل بأقلّ من حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه الوطنية الثابتة، وغير القابلة للتصرف، حسب قرارات الشرعية الدولية، التي داست عليها الإدارة الأميركية، أو بأي شرعية دولية ستنتج عن إعادة بناء النظام الدولي الجديد.
وهذا هو الطريق الوحيد الذي يجعل من التدخل الإيراني في منطقة الإقليم تدخلاً يصبّ في مصلحة شعوب، وحتى حكام المنطقة. وهنا، أيضاً، لا مجال للمناطق الرمادية.
إذا قبلت أميركا، وقبل «الغرب» بهذه الأسس والمبادئ، فإن إيران جاهزة للذهاب في هذه الخيارات إلى أبعد مدى ممكن، وهي مستعدة لكافة أنواع التنازلات التي لا تمسّ هذه المبادئ وهذه الأسس، والتي لا مساومة عليها.
إذا راوغت أميركا، ومعها «الغرب» فالحرب مستمرّة، وبحيث يدفع «الغرب» كلّه ثمن سياساته من لحمه الحيّ، وليس من لحم إيران فقط.
أما الحرب مع دولة الاحتلال فيبدو أن إيران تعدّ لها رزمة كاملة، أشدّ بأساً وقسوةً، وهو ما سنحاول معالجته في المقال القادم حول انعكاسات الحرب ونتائجها المتوقّعة والمرئية على دولة الاحتلال، وعلى القضية الفلسطينية.
حين تتوقّف هذه الحرب تكون آخر الحروب في هذا الإقليم قد شارفت على الانتهاء فعلاً، وربما نكون حينها في بدايات عصر جديد، وربما بدايات وعي جديد من شعوبنا كلّها مهما كانت صعوبات اللحظة.