نشرت في 24 يوليو 2026 10:11 ص
https://khbrpress.ps/post/432995
غزة على مرمى أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، حيث ستكمل هذه الحكومة ولايتها حتى آخر يوم وسيكون الاقتراع في السابع والعشرين من تشرين الأول القادم، ما يعني أنها أول حكومة تكمل ولايتها منذ ثمانينيات القرن الماضي قبل أن يحدث تكسّر للنظام السياسي بنهاية عهد الحزبين الكبيرين الليكود والعمل لصالح أحزاب صغيرة متعددة.
لكن غزة هذه المرة هي قصة الانتخابات الكبرى، فالائتلاف الحاكم سيحاول تغيير صورته التي انكسر زجاجها بما يمكن أن يفعله بغزة، أما المعارضة فستستدعي غزة في كل خطاب بدءاً من إخفاق السابع من أكتوبر مروراً بحكم حماس وتعهدات ائتلاف تعثرت أهدافه الإقليمية وفي غزة تعهد بإزالة حكم الحركة التي قامت بأكبر عملية ضد إسرائيل منذ نشأتها.
هذا الائتلاف محمل بعار السابع من أكتوبر ومأساة إقليمية بحرب ظل يحضر لها منذ عقود بعد أن أقنع الإسرائيليين بقدرته على إسقاط النظام في إيران ووعد الإسرائيليين بإنهاء حكم حماس وتجريد حزب الله من السلاح، وهو يجد نفسه أصغر كثيراً من شعارات رفعها وأهداف وضعها وتعهدات قدمها، حيث يعاد ترتيب الإقليم بعد أن تم دفعه للهامش بعيداً عن مراكز القوى التي تتجسد بين الولايات المتحدة وإيران لتبدو مكانة إسرائيل كملحق تابع صغير.
فالنظام الإيراني بحسب المحللين الإسرائيليين يصبح أقوى مما قبل ويتضاءل الأمل بتجريد حزب الله من سلاحه.
ولم يبقَ أمام هذا الائتلاف سوى غزة التي اعتاد حتى دون السابع من أكتوبر أن يمارس على أرضها عروضاته الانتخابية، فما بالنا بعد ذلك وخاصة أنه يستسهل الأمر فلا قوة مقابلة تقف أمامه وهو يزحف بلا حساب، وما يميز حربه معها أن العالم يسانده بإسقاط حكم حماس.
قبل عملية الإبادة الأخيرة رافقت معظم جولات إسرائيل الانتخابية حروب على غزة، فهي المنطقة الوحيدة التي يمكن لأي ائتلاف حاكم أن يحول العمل العسكري إلى أصول انتخابية لا يحتاج الأمر إلى كثير من التقدير لندرك أن هذا الائتلاف الحاكم والمحشو بالتطرف والانتقام لا يستطيع الدخول في الانتخابات دون أن يكون قد أنهى عملية إسقاط الحركة التي تحكم غزة منذ تسعة عشر عاماً.
فالمعارضة الإسرائيلية والكتاب والنخب في إسرائيل يسخرون من الحكومة بسبب بقاء حكم حماس في غزة، وهذه المنطقة تختلف عن باقي الأهداف والشعارات الأخرى التي رفعها سواء في لبنان أو في إيران، فغزة مختلفة لسببين: الأول أنها بادرت بالهجوم يوم السابع من أكتوبر «وقد تمكنت إسرائيل من تصويره أمام العالم كهولوكوست، والثاني أن إسرائيل ما زالت تعتبرها جزءا من غلافها الأمني لدرجة أنها لا تزال تهتم بتسجيل المواليد والوفيات ومن يدخل غزة ومن يخرج منها، وهذا يختلف عن تعاطيه مع لبنان أو إيران. ففي غزة تتحكم بكل شيء.
خلال الأشهر الثلاثة القادمة وثلاثة أيام هو موعد فتح الصناديق في إسرائيل ستكون غزة مختلفة، فقد بدأت تظهر صور أقمار صناعية تكشف عن استراتيجيات كبرى فالخط الأصفر ليس مجرد خط وهمي بمكعبات صفراء، بل يتحول إلى ما يشبه خط بارليف بل أبعد كحدود دائمة من سواتر ترابية ومواقع عسكرية، يمكن القول إن تحويل هذا الجدار إلى ما يشبه الحدود الدائمة هو كتابة شهادة موت غزة التي لا تستطيع الحياة دون المنطقة الشرقية سلة غذائها وروحها ومقومات العيش فيها وبقائها حية.
فمصادرة المنطقة الشرقية للقطاع تعني حكماً بالإعدام على غزة دون سلاح وحرب بل الأخطر ضمان أن يظل من يبقى في غزة معتمداً على المساعدات الخارجية كوسيلة وحيدة للحياة على نمط المعلبات وغيره، وتلك تصلح لفترة مؤقتة لكنها تعني الموت إذا ما تحولت لدائمة وهذا ما فعله في الحرب ويفعله بتحويل الخط الأصفر لحدود دائمة.
هنا حيرة الفكرة. فمخطط إسرائيل هو تهجير السكان ولم تتنازل عن هذا الحلم.
والتهجير يتطلب بقاء حكم حماس كمبرر دائم للتنكيل بغزة وبقاء ما تبقى من سلاح دون أن تفكر الحركة باستخدامه حتى قبل اغتيال إسرائيل لـ 1150 فلسطينياً وهو خيار عاقل أمام آلة الدمار المجنونة.
وإن كنا نتمنى أن تتعلم الحركة درس العقلانية قبل تلك المغامرة لا أن يكلفنا تعليمها لدرس واحد عشرات آلاف الشهداء، ولكن في نفس الوقت بقاء حماس هو أزمة للائتلاف الحاكم المهدد انتخابياً بفعل تدني أرقام استطلاعية تشي باستحالة تمكنه من تشكيل حكومة، وتلك لها اعتبارات خطيرة لرئيس وزراء ينتظر العدالة وستفتح له أبواب السجن بعد رفض الرئيس إسحق هرتسوغ العفو عنه، بل تمكن من الوقوف أمام ضغوط الرئيس ترامب حتى ينتهي نتنياهو بالسجن.
هنا تكمن ضبابية اللحظة ما بين بقاء حماس كجسر تعبر عليه المصالح الإستراتيجية وهذا ضروري للأمن القومي الإسرائيلي، فدون حماس لم يكن يجر المنظمة لأوسلو «ما كتبه محمد حسنين هيكل في كتابه (سلام الأوهام)»، ودون حماس ما كان ليقسم الضفة عن غزة، ودون حماس لم يكن يبرر سحق وتدمير غزة، ودون حماس ينتهي مبرر ومشروع التهجير وما بين إنهاء حكم حماس لمصلحة انتخابية للائتلاف الحاكم، فمن سيتغلب مصالح الأمن القومي أم مصالح الائتلاف ؟ أم صفقة ما ؟.
هذا ما سيتضح خلال أسابيع ...!