نشرت في 26 أكتوبر 2026 05:35 م
https://khbrpress.ps/post/437083
حذّرت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، من أن استهداف الصحفيين الفلسطينيين وتدمير المؤسسات الإعلامية وشبكات الاتصالات، بالتزامن مع حملات التحريض والتضليل، أسهم في إضعاف القدرة على توثيق الانتهاكات في قطاع غزة، وتهيئة بيئة تعرقل كشف الحقائق ومحاسبة المسؤولين عنها.
جاء ذلك في تقريرها المعنون "الحقيقة تحت الأنقاض: وسائل الإعلام زمن الإبادة الجماعية"، الذي قُدّم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في يوليو/ تموز 2026، وتناول دور الإعلام في تغطية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، وما وصفه بنمط مترابط من الممارسات التي تستهدف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، وتؤثر في نقل الوقائع إلى الرأي العام الدولي.
وبحسب التقرير، لا يقتصر الاستهداف على الصحفيين أثناء أداء عملهم، بل يمتد إلى تقويض البيئة الإعلامية الفلسطينية عبر قتل الصحفيين واعتقالهم، وتدمير المكاتب والمؤسسات الإعلامية، وتعطيل الاتصالات والإنترنت، إلى جانب حملات التشكيك في مصداقيتهم واتهام بعضهم بالارتباط بفصائل مسلحة من دون أدلة كافية.
استهداف الصحفيين وتهديد قدرتهم على التوثيق
يتناول التقرير مقتل الصحفيين الفلسطينيين واعتقالهم، وما يتعرضون له من تهديدات وقيود على العمل، معتبراً أن هذه الممارسات تحد من قدرة وسائل الإعلام على نقل الأحداث من الميدان، خصوصاً في ظل القيود المفروضة على دخول الصحفيين الدوليين إلى قطاع غزة.
كما يشير إلى حالات استهداف صحفيين عقب حملات تشهير واتهامات علنية، محذراً من أن وصف الصحفيين بأنهم عناصر مسلحة أو إرهابيون، من دون أدلة قابلة للتحقق، قد يعرضهم لمخاطر إضافية، ويقوض الثقة بشهاداتهم والمواد التي يوثقونها.
ويذكر التقرير أن صحفيين فلسطينيين اعتُقلوا وتعرضوا، وفق شهادات ووثائق استند إليها، لظروف احتجاز قاسية، شملت مزاعم التعذيب وسوء المعاملة والتهديدات والضغوط النفسية والجسدية. كما يلفت إلى أن آثار الاعتقال قد تستمر بعد الإفراج عن الصحفيين، وتنعكس على صحتهم وقدرتهم على مواصلة العمل.
ويؤكد أن دور الصحفيين لا يقتصر على نقل الأخبار، بل يشمل توثيق الوقائع وحفظ أدلة قد تكون مهمة في التحقيقات والإجراءات القضائية مستقبلاً.
تدمير المؤسسات الإعلامية وشبكات الاتصالات
ويخصص التقرير مساحة لتدمير البنية التحتية الإعلامية والاتصالات في قطاع غزة منذ بدء الحرب في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، مشيراً إلى الأضرار الواسعة التي لحقت بالمكاتب والمؤسسات الإعلامية ومرافق الاتصالات.
ووفق التقرير، تعرضت عشرات المؤسسات الإعلامية للتدمير خلال المراحل الأولى من الحرب، فيما تواصلت الأضرار التي طالت المكاتب والمرافق الإعلامية خلال الفترة اللاحقة، بما في ذلك عام 2025.
ويربط التقرير بين تدمير البنية التحتية للاتصالات والانقطاعات الواسعة للإنترنت وبين صعوبة نقل الأخبار والتحقق منها، موضحاً أن هذه الظروف لا تعطل التواصل بين الصحفيين ومؤسساتهم فحسب، بل تحد أيضاً من وصول المعلومات إلى السكان، وتعيق إرسال الصور والشهادات والمواد التوثيقية إلى الخارج.
كما تزيد انقطاعات الاتصالات من المخاطر التي يواجهها الصحفيون، إذ تحد من قدرتهم على التواصل مع فرقهم وطلب المساعدة وتحديد مواقعهم في حالات الطوارئ.
ويحذر التقرير من أن تدمير المؤسسات الإعلامية ومرافق الاتصالات يهدد استمرارية العمل الصحفي، ويجعل إعادة بناء قطاع إعلامي قادر على العمل باستقلالية أكثر صعوبة، حتى بعد توقف العمليات العسكرية.
حملات التحريض والتشكيك في الصحفيين الفلسطينيين
ويتناول التقرير الخطاب التحريضي الذي تنشره بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية ويصدر عن مسؤولين إسرائيليين، بما في ذلك استخدام تعبيرات تنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، أو تبرر استهدافهم، إلى جانب اتهام صحفيين فلسطينيين بالانتماء إلى جماعات مسلحة.
ويرى التقرير أن هذه الخطابات قد تسهم في خلق بيئة تتقبل العنف ضد الصحفيين أو تقلل من أهمية مقتلهم، فضلاً عن إضعاف الثقة بالشهادات والمواد التي يقدمونها لتوثيق الأحداث.
كما يعرض أمثلة على اتهامات وُجهت إلى صحفيين قُتلوا خلال الحرب، محذراً من أن تكرارها من دون تحقق مستقل قد يؤدي إلى تشويه سمعة الضحايا قبل إجراء تحقيقات مستقلة في ظروف مقتلهم.
ويشير التقرير إلى أن استخدام لغة تنزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين أو تصورهم بصورة جماعية باعتبارهم تهديداً قد يسهم في تطبيع العنف وتبرير انتهاكات حقوقهم الأساسية.
انتقادات للتغطية الغربية وسياسات المنصات الرقمية
ولا تقتصر انتقادات التقرير على الإعلام الإسرائيلي، بل تشمل أيضاً مؤسسات إعلامية غربية ومنصات رقمية كبرى. إذ يرى أن بعض التغطيات أعادت إنتاج روايات رسمية، أو منحت اتهامات غير متحققة مساحة واسعة، أو همشت شهادات الصحفيين الفلسطينيين والأدلة التي نقلوها من الميدان.
ويشدد التقرير على ضرورة التحقق من المعلومات الصادرة عن أطراف النزاع، وإتاحة المجال للرد والتصحيح، ولا سيما عندما تتعلق الادعاءات باتهامات خطيرة أو بوقائع قد تشكل جرائم دولية.
كما يناقش أثر سياسات إدارة المحتوى في المنصات الرقمية على تداول الشهادات والصور الفلسطينية، بما في ذلك حذف بعض المواد أو تقييد انتشارها، معتبراً أن هذه الممارسات قد تحد من وصول الأدلة إلى الجمهور.
ويؤكد ضرورة التمييز بين المحتوى الذي يحرض فعلياً على العنف والمواد الصحفية والتوثيقية التي تخدم المصلحة العامة، محذراً من أن تطبيق سياسات المحتوى بصورة غير متوازنة قد يؤدي إلى إسكات أصوات الضحايا والحد من تداول الأدلة المتعلقة بالانتهاكات.
دعوات لحفظ الأدلة ومحاسبة المسؤولين
وفي خلاصاته، ترى ألبانيزي أن استهداف الصحفيين وتدمير المؤسسات الإعلامية والاتصالات، إلى جانب حملات التضليل والتشكيك في الشهادات، ظواهر مترابطة تؤثر في قدرة المجتمع الدولي على معرفة ما يجري في قطاع غزة وتوثيقه.
ويحذر التقرير من أن إضعاف الشهود وتشويه سمعتهم وتدمير البنية التحتية اللازمة لتوثيق الأحداث ونقلها قد يضعف فرص المساءلة، خصوصاً عندما تحل الاتهامات غير المثبتة محل التحقيق المستقل.
ويدعو إلى إنشاء آلية مستقلة لجمع الأدلة المتعلقة بالجرائم المرتكبة بحق الصحفيين والبيئة الإعلامية في الأراضي الفلسطينية المحتلة وحفظها، وضمان صون المواد الصحفية والصور والتسجيلات التي قد تُستخدم أدلة في التحقيقات والإجراءات القضائية.
كما يحث الدول على التحقيق في الاعتداءات على الصحفيين وملاحقة المسؤولين عنها، والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، والعمل على حماية الصحفيين المعتقلين والمفقودين، وضمان الوصول إلى المعلومات ومواقع الأحداث.
ويطالب التقرير بتسهيل دخول الصحفيين الدوليين ومراقبي حقوق الإنسان إلى قطاع غزة، ورفع القيود التي تعيق ممارسة العمل الإعلامي بحرية، إلى جانب مراجعة السياسات الإعلامية والرقمية التي قد تسهم في التحريض أو حجب الأدلة المتعلقة بالانتهاكات.
ويشدد كذلك على مسؤولية المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية في التحقق من الادعاءات قبل نشرها، وإبراز التصحيحات بوضوح، وعدم التعامل مع اتهامات أطراف النزاع باعتبارها حقائق مثبتة من دون فحص مستقل.
ويخلص التقرير إلى أن حماية الصحفيين تتجاوز مسألة حرية التعبير، لترتبط أيضاً بحفظ الأدلة وإتاحة المجال لمساءلة المسؤولين عن الجرائم الدولية المحتملة، محذراً من أن إسكات الشهود أو تهميش ما يوثقونه يجعل كشف الحقيقة وتحقيق العدالة أكثر صعوبة.