نشرت في 13 أغسطس 2026 10:10 ص
https://khbrpress.ps/post/433864
كأنني بالإجابة عن هذا السؤال أو بمحاولة الإجابة عنه، أكون قد وصلت إلى فك شيفرة هذا الحلف الجديد.
قد يبدو غريباً بعض الشيء البدء بالسؤال عن موقع وموقف مصر.
وقد يبدو الأمر أكثر غرابة حين نعرف أن موقف مصر من هذا الحلف الجديد ما زال غامضاً، أما موقعها فهو أكثر غموضاً.
بل والأغرب من كل غريب أن مصر قبل غيرها لا تتعمد هذا الغموض.
ولا تشي وتوحي إليه، وفي أغلب الظن فإنها تركت عن عمد هذه المسألة للمخيال السياسي في المحيط كله.
إليكم فيما يلي بعض الأسئلة الحسّاسة التي لا أجوبة عنها.
هل هذا الحلف يشمل فيما يشمله من التزامات «ردعية» الدفاع عن دولة ليست عضواً فيه؟
وهنا المسألة في غاية التشعب، وهي ليست مسألة شكلية يمكن الإجابة عنها ببساطة ويسر.
دعونا نتناول دولة مثل قطر ونسأل:
ماذا سيكون عليه موقف الحلف لو أن قطر تعرضّت لعدوان إسرائيلي على غرار العدوان السابق لأسباب خاصة بالحسابات والاعتبارات الإسرائيلية، وكان الموقف الأميركي متواطئاً أو متفهماً أو متغافلاً؟
وكيف سيكون عليه الموقف التركي؟ وهل ستكون ردة الفعل السعودية والباكستانية هي نفسها؟
ثم ماذا تعني ردة الفعل؟ هل إذا كانت مجرد محاولة لصد الاعتداء عبر وسائل الدفاع الجوي هي كل ردة الفعل، أم ستشتمل على رد من نوع آخر بما في ذلك هجمات جوية على أهداف إسرائيلية؟
نفس هذا المثل قد ينطبق على البحرين فيما لو تعرضت لإنزالات جوية من جانب إيران، وجرت محاولة لاحتلال البلد والسيطرة عليه في إطار الرد الإيراني على إنزالات أميركية وإسرائيلية محتملة في ظروف خاصة من هذا الصراع القائم في منطقة الخليج.
كيف ستكون عليه ردة الفعل المجتمعة على واقع من هذا القبيل؟
وأين هي الالتزامات الرسمية لمثل ردة فعل كهذه؟ وبموجب أي اعتبارات ملزمة للحلف؟
ودعونا نفترض جدلاً أن سلطنة عمان في ضوء القراءة الخاصة بها للتطورات في الإقليم - ودعونا نتذكر هنا أنها غالباً ما يكون لها مثل هذه القراءة الخاصة - قررت أن تتفق وتتوافق مع إيران على رؤية واحدة وموحدة لإدارة مضيق هرمز باستراتيجية ثنائية موحدة وليس منفردة وهو المفهوم الإيراني لهذه الاستراتيجية، وغضبت الولايات المتحدة وقررت في لحظة جنون ترامبية أن تهاجم السواحل العمانية، فماذا حينها ستكون ردة الفعل المباشرة، وربما غير المباشرة أيضاً للحلف الجديد؟؟.
ومثال ثالث أكثر واقعية: الحوثيون يعلنون على رؤوس الأشهاد أنهم سيبادلون الحصار بالحصار، وأنهم لن يقبلوا بعد اليوم المعادلة التي كانت عليها الأمور في السنوات القليلة الماضية خصوصاً بعد حادثة الطائرة الإيرانية.
ماذا، إذاً، لو دارت حرب جوية وصاروخية أو برية؟؟.
لا أظن أن هناك جوابا واضحا عن مسألة كهذه، وعلى هذه الدرجة من الخطورة والحساسية.
دعونا الآن نذهب إلى زاوية جديدة من موضوع المقال.
هذه الزاوية هي زاوية مفهوم الحلف السني.
مصر هي ركن أساسي في هذا المفهوم وهي الركن الأبرز من كافة النواحي السياسية والتاريخية.
لم تعد السنة الإسلامية مسألة سعودية أو تركية أو باكستانية منذ نهاية ولاية سيدنا علي بن أبي طالب لأن «الشيعيّة» تحولت إلى شأن سوري وعراقي ومصري ومغربي، مشرقي ومغاربي، وتحولت إلى مكون في الجزيرة العربية وإلى شيعة وعلوية في سورية وتركيا، وإلى شيعة في الباكستان وإلى أغلبية في بعض دول الإقليم، وفي بعض البلدان السوفيتية السابقة، وتتغلغل الثقافة الدينية الشيعية في الكثير من البلدان بما فيها مصر نفسها.
أقصد أن الحلف الجديد من حيث أقصى ما يمكن أن ينطوي عليه في مسألة تثوير «العش الممتلئ بالدبابير» على هذا الصعيد، هو التهويب، وليس أكثر ولا أبعد، ومن زاوية دفاعية حصراً وتحديداً، لماذا وكيف؟
تجربتي في التدريس الجامعي في جامعة القدس - أبو ديس - في معهد الدراسات الإقليمية للدراسات العليا، أثرت معارفنا بصورة تفوق التوقع، زميلاتي وزملائي وأنا، وتعرفنا على حقائق صادمة لأن إلمامنا وإحاطتنا ببعض التفاصيل وبعض المفاصل كانت شظايا مبعثرة أحياناً، وكانت تنقصها الدقة العلمية غالباً.
وحصيلة الأمر هنا أن البلدان الثلاثة لهذا الحلف الجديد تعي جيداً أن الصراع السني الشيعي إذا خرج عن مساره السياسي والإعلامي والثقافي في ظروف تتحول فيه الحرب على إيران إلى حرب وجودية هو مجازفة سياسية غير محمودة العواقب.
ويعلمنا التاريخ أن كامل صراع مرحلة ما بعد «الفتنة الكبرى»، وامتداده وتغلغله في المحيط العربي والإسلامي قد أدى إلى نقطة توازن هي الأخطر والأهم، وهي تحول مصر إلى المذهب السني، وتحول إيران إلى المذهب الشيعي.
في مصر بعد المرحلة الفاطمية، وفي إيران في مرحلة معينة من العهد الصفوي.
ولهذا لا وجود لأثر كبير وفعال لأي سنة سياسية دون مصر، ولا مجال لأن تكون مصر في حلف سياسي سني دون قيادتها، وبما لا يتعارض مع أولوياتها وهمومها واحتياجاتها، إلا من باب المجاملات والعلاقات العامة، ومن باب الروابط المعهودة.
مصر، سواء اتفقنا معها أو اختلفنا، هي قلب هذا الإقليم، وأولويات مصر حالياً من الزوايا الاستراتيجية هي الأخطار القادمة من طموحات اليمين الفاشي في الدولة العبرية، ومن إثيوبيا، وليبيا والسودان، والتحديات الاقتصادية ملحة وضاغطة وتتحول إلى هاجس سياسي أول في بعض المحطات والمفاصل.
علاقات مصر مع الهند تاريخية ومتقدمة، ولها مصالح حيوية مع قبرص واليونان حتى وإن كانت إسرائيل تستفيد موضوعياً من واقع هذه التحالفات المصرية، بل وتدخل على خط هذه التحالفات.
مصر لن تكون جزءاً من هذا الحلف إلا بشروطها، وبإستراتيجية أبعد ما تكون عن الانخراط في حروب ليس لها أي أولوية على الإطلاق.
وغني عن القول هنا، إننا نتحدث عن الدولة المصرية قبل كل شيء.