بقلم د سمير ابو مدلله

اقتصاد الندرة القسرية في غزة: عندما تتحول السيجارة إلى عملة بديلة

نشرت في 09 أبريل 2026 12:00 ص

بقلم د سمير ابو مدلله

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/428891

لم يعد الاقتصاد في قطاع غزة يعمل وفق قواعد السوق التقليدية، بل دخل مرحلة استثنائية يمكن وصفها بـ"اقتصاد الندرة القسرية"، وهي مرحلة تتشكل عندما تُقيّد حركة السلع وتفرض قيود مشددة على تدفق الموارد الأساسية، ما يؤدي إلى ظهور أنماط اقتصادية غير تقليدية مثل المقايضة والسوق السوداء وتحول بعض السلع إلى عملات بديلة.
وفي ظل استمرار القيود المفروضة من إسرائيل وتعثر تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاقات المتعلقة بتخفيف الأزمة الإنسانية، تعمقت أزمة الندرة بشكل غير مسبوق ودخل الاقتصاد المحلي مرحلة أكثر هشاشة انعكست بشكل مباشر على حياة السكان اليومية، حيث لم تعد الأسواق قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية وارتفعت الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة.
عندما تصبح السلع عملة
خلال الأشهر الأخيرة، شهد قطاع غزة نقصا حادا في السلع الأساسية، مثل الطحين والسكر والوقود والمواد الغذائية الأساسية، إضافة إلى السجائر والتبغ.
ومع استمرار هذا النقص، ظهرت ظاهرة اقتصادية لافتة تمثلت في تحول السيجارة من سلعة استهلاكية إلى وسيلة تبادل، حيث باتت تستخدم للحصول على مواد غذائية أو خدمات بسيطة في مؤشر واضح على تراجع وظيفة النقد التقليدي وعودة المقايضة كآلية اقتصادية للبقاء.
هذه الظاهرة تعكس انتقال الاقتصاد في غزة من اقتصاد السوق إلى "اقتصاد البقاء"، حيث تصبح الأولوية لتأمين الاحتياجات الأساسية بدلا من الإنتاج أو الاستثمار وهو ما يشير إلى مرحلة اقتصادية شديدة الهشاشة، غالبا ما ترتبط بحالات الحروب الممتدة والأزمات الإنسانية العميقة.
تراجع الشاحنات
وتشير تقديرات ميدانية وتقارير إنسانية إلى أن الاحتياجات اليومية لقطاع غزة تزيد عن 600 شاحنة يوميا كحد أدنى لتلبية الاحتياجات الأساسية للسكان، في حين أن عدد الشاحنات التي تدخل فعليا خلال الفترة الأخيرة يتراوح بين 80 إلى 150 شاحنة يوميا في أفضل الأحوال، مع وجود أيام ينخفض فيها العدد إلى أقل من ذلك.
وقد انعكس هذا التراجع الحاد مباشرة على الأسعار، حيث شهدت الأسواق ارتفاعا غير مسبوق، إذ تجاوز سعر علبة السجائر في بعض الفترات ما بين 100 إلى 150 دولارا، فيما ارتفع سعر كيلو السكر بنسبة متفاوتة، وكذلك تضاعف سعر كيس الطحين، مع ارتفاع جنوني في أسعار الوقود.
تعثر المرحلة الأولى من الاتفاق
وتزامنت هذه التحولات الاقتصادية مع تعثر تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، رغم التزام الفصائل الفلسطينية ببنود هذه المرحلة. فخلال هذه الفترة، استمرت إسرائيل في العمليات العسكرية، حيث انتقلت من العمليات الواسعة إلى الاستهدافات الفردية ما أدى إلى استمرار سقوط الضحايا وبقاء حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والإنساني.
كما لم تلتزم إسرائيل بعدد من البنود الأساسية المرتبطة بالمرحلة الأولى، حيث لم يتم إدخال العدد المتفق عليه من الشاحنات ولم يعاد تشغيل معبر رفح وفق اتفاقية المعابر لعام 2005، كما لم يتم ترميم المستشفيات المتضررة أو إعادة تشغيل المخابز بشكل كافٍ، إضافة إلى استمرار القيود على إدخال الكرفانات ومستلزمات الإيواء والوقود.
وفي الوقت نفسه، توسعت المنطقة المعروفة بالخط الأصفر باتجاه الغرب، ما أدى إلى تقليص المساحات المتاحة للغزيين وزيادة الضغط الإنساني والاقتصادي.
وقد أدى عدم تنفيذ هذه البنود إلى استمرار أزمة الندرة وتعميق الأزمة الاقتصادية، رغم تنفيذ الفصائل الفلسطينية للمرحلة الأولى من الاتفاق، ما خلق حالة من الاختلال في تنفيذ التفاهمات، وانعكس بشكل مباشر على الواقع الاقتصادي والإنساني في قطاع غزة.
في هذا السياق، برزت دعوات للانتقال إلى المرحلة الثانية من الاتفاق، من بينها ما طرحه نيكولاي ملادينوف، وهو ما أثار تساؤلات واسعة، خاصة في ظل عدم تنفيذ المرحلة الأولى بشكل كامل.
فالانتقال إلى المرحلة الثانية دون استكمال المرحلة الأولى قد يؤدي إلى تكريس اقتصاد الندرة واستمرار السوق السوداء وتعميق الفقر وتراجع الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يجعل تنفيذ المرحلة الأولى شرطا أساسيا قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة.
ماذا عن مسؤولية الوسطاء؟
في ظل هذه المعطيات، تبرز مسؤولية الوسطاء في ضمان تنفيذ المرحلة الأولى بشكل كامل قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية. فالمطلوب اليوم لا يقتصر على إدارة التفاهمات السياسية بل يتطلب تدخلا اقتصاديا عاجلا يضمن زيادة تدفق الشاحنات إلى قطاع غزة وإدخال السلع الأساسية بشكل منتظم وإعادة تشغيل المعابر إضافة إلى إعادة تأهيل البنية الاقتصادية الحيوية، بما يشمل ترميم المستشفيات وإعادة تشغيل المخابز وإدخال الوقود والمواد الأساسية.
كما أن ضمان استقرار الأسواق والحد من السوق السوداء يتطلب دورا أكثر فاعلية من الوسطاء، من خلال وضع آليات واضحة لمراقبة تنفيذ الاتفاق وضمان عدم تكرار حالة الندرة التي أدت إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية.
اقتصاد على حافة الانهيار
وتعكس هذه التطورات أن الاقتصاد في قطاع غزة يقترب من مرحلة أكثر هشاشة، حيث يؤدي استمرار القيود إلى تآكل الطبقة الوسطى وتوسع الفقر الذي تعدى الـ90% وانهيار الأنشطة الإنتاجية ونمو الاقتصاد غير الرسمي.
وفي ظل هذه المعطيات، يصبح تنفيذ المرحلة الأولى ضرورة اقتصادية وإنسانية ملحة وليس مجرد خطوة سياسية.
وختاما نستطيع القول إن تحول السيجارة إلى عملة بديلة في قطاع غزة ليس مجرد ظاهرة اقتصادية عابرة بل مؤشر واضح على دخول الاقتصاد مرحلة الندرة القسرية.
ومع تعثر تنفيذ المرحلة الأولى واستمرار القيود على دخول السلع، تتزايد مخاطر ترسيخ اقتصاد الندرة وتحول الأزمة المؤقتة إلى واقع دائم.

أستاذ الاقتصاد – جامعة الأزهر، غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين