الكاتب: حسن خضر

الترامبية بوصفها علامة سياسية...!!

نشرت في 14 أبريل 2026 12:18 م

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/429085



 

ثمة حالات لا يقل النجاح فيها خطورة عن الفشل. ومنها العلاقة الاستثنائية والفريدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، التي بلغت ذرى غير مسبوقة في عهد دونالد ترامب، وتبدو الآن، نتيجة «الذرى» نفسها (القدس، الجولان، غزة، وأخيراً الحرب على إيران) محفوفة بالمخاطر إلى حد يبرر التذكير بحكمة تقليدية مفادها أن كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده.
وبما أن «الذرى» المعنية، في ولايتي ترامب الأولى، وما انقضى من الثانية حتى الآن، تزامنت مع وجود بنيامين نتنياهو على رأس الحكومة الإسرائيلية، فمن الصعب الكلام عن علاقة ترامب بإسرائيل دون استدعاء شخصية نتنياهو، التي تُلقي بظلالها على علاقة لا تنجو من زوايا مُعتمة، وتنفتح على تأويلات كثيرة.
ثمة الكثير من التحليلات، والفرضيات ذات الصلة، في هذا الشأن. ولعل «العلامة التجارية» وبقدر ما أرى، أقربها إلى الواقع. وهذا لن يكون مفهوماً دون العودة إلى أصل الحكاية. فقد حول ترامب اسمه إلى علامة تجارية brand name قابلة للترخيص والتأجير، بعد الفشل في سوق العقارات. ازدادت وتيرة الترخيص والتأجير في العقدين الأخيرين، وشملت منتجات من اللحوم والفودكا إلى ملاعب الغولف. 
ولعل من المفيد التفكير في صعود ترامب في حقل السياسة الأميركية، استناداً إلى مجاز العلامة التجارية، أيضاً. فما الذي يمنع إعادة اختراع صاحب العلامة لنفسه من علامة تجارية إلى علامة سياسية، أيضاً، طالما كان الربح دافعه الوحيد، ولم يكن في تاريخه الشخصي ما يوحي بوجود قيم تحول دون تبني الموقف ونقيضه.
 وقد سبق للمذكور الانتقال من عضوية الحزب الديمقراطي إلى الجمهوري، وبالعكس، مرات تزيد عن عدد أصابع اليد الواحدة. وفي «كتابه» عن «فن الصفقة» تكلّم عن ضرورة «تزييت» الماكينة الانتخابية للديمقراطيين والجمهوريين، في نيويورك، بالتبرعات المالية لضمان «تسهيل» الأعمال.
ومع هذا في البال. لا يكفي عدم وجود كوابح، أخلاقية وسياسية، لتمكين مشروع العلامة السياسية من الإقلاع، فلا غنى عن وجود روافع ومستثمرين. والصحيح أن في مجرد اتهام جهات خارجية أبرزها الروس بالتدخل في انتخابات العام 2016، بل وتشكيل لجنة تحقيق لهذا الغرض، ما يدل على وجود تساؤلات مبكّرة من هذا النوع، وما يحرض على طرح أسئلة إضافية عن روافع ومستثمرين آخرين.
وإذا جاز لنا اعتبار كلام ترامب خطاباً في السياسة، فمن الواضح أن لإسرائيل مكانة مركزية في مخياله السياسي، بصرف النظر عن ضيقه وفقر مفرداته. ورغم أن المركزية غالباً ما تُصاغ بطريقة درامية، ومُبالغات مجافية للمنطق، تبدو الدراما والمبالغة، في مخيال ضيّق وفقير، مجرد حيل بلاغية لتكريس المركزية، والإصرار عليها. واللافت أن ضيق المخيال وفقره يفترضان ولاء ضمنياً، غير مشروط، من جانب اليهود الأميركيين لإسرائيل، ويتهمان هؤلاء بعدم الوفاء، بل وحتى كراهية إسرائيل، إذا منحوا أصواتهم لمرشح غيره في الانتخابات.
لا ضرورة، بالتأكيد، للكلام عمّا يلحق مخيال كهذا من ضرر باليهود الأميركيين، حين ينفي عنهم صفة الفاعل السياسي المستقل، وبين هؤلاء بعض أكثر نقّاد سياسته شجاعة ونفوذاً في الولايات المتحدة، ناهيك عن النتائج المُفزعة لفرضية الولاء المزدوج. كل ما في الأمر أن هذا القدر من الإفراط في «الحب» ربما نجم عن قناعات لا سامية عميقة، سكنت خيال وذاكرة رجال المال والأعمال الأميركيين منذ هنري فورد و»اليهودي العالمي».
 وفي السياق نفسه، تتجلى العلامة السياسية المرشحة للتسويق بوصفها مشروعاً إسرائيلياً ـ يهودياً مشتركاً. والمشكلة في مشروع التسويق هذا، وعلى الرغم من فعاليتها في أوساط المسيحيين الإنجيليين، على نحو خاص، إلا أنها غير قابلة للتسويق دون روافع أميركية، أيضاً، من نوع «أميركا أولاً»، واستعادة عظمة وهمية كانت في الماضي. 
ومع هذا في البال، يجد الإنسان صعوبة في التحرر من انطباع أن ترامب يخاطب عدداً محدوداً من الأشخاص كلما فتح فمه للكلام، وهؤلاء هم المستثمرون في العلامة السياسية بوصفها مشروعاً إسرائيلياً ـ يهودياً مشتركاً. كما ويجد صعوبة في التحرر من انطباع أنه صاحب «المُتدرب» الذي صار محل سكناه البيت الأبيض، وجعل من ساسة العالم متنافسين على شاشة تلفزيون للواقع، وقد يطردهم منها. مع توابل الوقاحة، و»خفة الدم» المفتعلة بطبيعة الحال. وما يضفي على الأمرين دلالات هزلية وكارثية في آن أنهما يترافقان الآن مع تدهور الحالة العقلية والجسدية أيضاً.
والمشكلة أن الروافع الأميركية، المحكومة بحسابات انتخابية، والتي تُختزل في شعارات من نوع «أميركا أولاً» تجعل من تسويق العلامة أمراً محفوفاً بالمخاطر، وتشهد على قابليتها السريعة للعطب. وهذا في الواقع ما تنم عنه تصدعات صارت واضحة للعيان في صفوف الطليعة الترامبية بالمعنى الأيديولوجي. ومن الواضح أن الموقف من إسرائيل، الذي يتجلى بطريقة سلبية متسارعة، في جذر التصدعات المعنية. 
لا أجد ضرورة للكلام عن أسماء وشواهد، كل ما في الأمر أن العلامة الترامبية لا تحتمل تداعيات هائلة وبعيدة المدى للحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران. وهذا يعني، ضمن أمور أُخرى، أن خط الهبوط البياني يبدأ من أعلى نقطة للذروة، أيضاً. نتكلّم في معالجة لاحقة عن مقامرة ومغامرة الرهان الإسرائيلي على ترامب. فاصل ونواصل.