بقلم د سمير ابو مدلله

التعليم في غزة.. حين تصبح الخيمة مدرسة ويصبح التعلّم مقاومة للجهل

نشرت في 24 سبتمبر 2026 11:38 ص

بقلم د سمير ابو مدلله

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/435641

مع بداية عام دراسي جديد، يقف أطفال غزة أمام واقع استثنائي. فبدلاً من التوجه إلى مدارسهم، يجد كثير منهم أنفسهم في مساحات تعليمية مؤقتة أو خيام تفتقر إلى الهدوء والأمان، حاملين دفاتر قليلة وأقلاماً محدودة. ولم تعد أزمة التعليم مجرد نقص في الكتب والمقاعد، بل أصبحت سؤالاً عن قدرة طفل يعيش وسط الدمار والنزوح والفقر على التعلم بصورة طبيعية.وفق أحدث البيانات المنشورة، حُرم نحو 700 ألف طفل في غزة، تتراوح أعمارهم بين 4 و17 عاماً، من التعليم النظامي لما يقارب ثلاثة أعوام دراسية متتالية، فيما تعرضت الغالبية العظمى من المباني المدرسية للضرر، وأصبح كثير منها بحاجة إلى إعادة تأهيل أو إعادة بناء كاملة.وراء هذه الأرقام أطفال فقدوا مدارسهم، وأسر تكافح لتوفير الطعام والمياه، ومعلمون يحاولون أداء رسالتهم في ظروف قاسية. فالطالب الذي يدرس داخل خيمة مزدحمة، وسط البرد والرطوبة، ومن دون كهرباء أو مستلزمات تعليم كافية، يواجه تحديات لا علاقة لها بقدرته على التعلم، وإنما بواقع فرضته الحرب والدمار والنزوح.ومع ذلك، يصر الأهالي على إرسال أبنائهم إلى أماكن التعلم كلما توفرت الفرصة. وهذا الإصرار يعكس تمسكاً عميقاً بالمستقبل؛ فالفلسطينيون لا يريدون لأطفالهم أن يكونوا جيلاً من الحرب، بل جيلاً من العلم.إن أخطر ما تفعله الحروب ليس تدمير المباني وحدها، بل تدمير فرص المستقبل. فالمدرسة ليست جدراناً ومقاعد، وإنما المؤسسة التي يتشكل فيها رأس المال البشري للمجتمع، والجامعة ليست مجرد مبنى أكاديمي، بل مصدر للمعرفة والمهارات وإعداد الكفاءات اللازمة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.
وعندما يُحرم مئات الآلاف من الأطفال من التعليم لسنوات، فإن الخسارة تمتد إلى المستقبل، فتؤثر في مهاراتهم، وإنتاجيتهم، ومستويات دخلهم، وقدرة المجتمع على إعادة بناء نفسه. ومن هنا، فإن تدمير التعليم في غزة لا ينبغي اعتباره نتيجة جانبية
للحرب، بل ضربة مباشرة لمستقبل المجتمع الفلسطيني، تهدد بتحول الانقطاع المؤقت إلى فاقد تعليمي طويل الأمد.وتبقى المساحات التعليمية المؤقتة وتوزيع الحقائب والمواد الدراسية  ضرورية، لكنها لا يمكن أن تكون بديلاً دائماً عن نظام تعليمي متكامل. فغزة تحتاج إلى إعادة بناء المدارس والجامعات، وإزالة الركام، وتأمين الكهرباء والمياه والمستلزمات التعليمية، ودعم المعلمين، وتوفير الرعاية النفسية
والاجتماعية، وإطلاق برامج مكثفة لتعويض الفاقد التعليمي.كما أن دعم الأسر اقتصادياً أصبح جزءاً من إنقاذ التعليم؛ فالطفل الذي يذهب إلى التعلم جائعاً، أو يعود إلى خيمة تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، لا يستطيع أن يتعلم كما لو كان يعيش في ظروف طبيعية.لذلك، يجب أن تكون إعادة بناء التعليم في صميم مشروع إعادة إعمار غزة، لا بنداً ثانوياً يأتي بعد إعادة بناء الطرق والمباني. فإعادة الإعمار لا تعني استعادة الحجر فقط، بل إعادة بناء الإنسان الذي يمثل أساس التنمية وضمانة استدامتها.
وما قيمة بناء مدرسة إذا لم يتمكن الطفل الفقير من الوصول إليها؟ وما قيمة إعادة بناء جامعة إذا بقي آلاف الشباب خارج التعليم؟ وما قيمة إعادة بناء الاقتصاد إذا دخل سوق العمل جيل فقد سنوات أساسية من التعليم والتأهيل؟إن مسؤولية إنقاذ التعليم في غزة تقع على عاتق المؤسسات الفلسطينية والمجتمع الدولي والجهات المانحة والمنظمات الدولية. والمطلوب ليس مساعدات طارئة فحسب، بل خطة عاجلة وطويلة المدى تحمي حق الأطفال في التعليم، وتعوض سنوات الانقطاع، وتعيد للمدارس والجامعات دورها في بناء المجتمع.لقد أثبت الفلسطينيون عبر عقود طويلة أن التعليم كان أحد أهم أدوات صمودهم وبناء مجتمعهم. ولذلك فإن حماية التعليم في غزة ليست قضية خدماتية أو إنسانيةهامشية، بل قضية وطنية واستراتيجية.لقد دُمرت المدارس، وتشرد الأطفال، وضاقت الخيام، لكن أخطر ما يمكن أن نخسره ليس حجراً ولا مبنى، بل الإنسان نفسه. ولهذا يجب أن تكون معركة غزة القادمة معركة إنقاذ التعليم، وحماية جيل كامل من التهميش والتجهيل، وتحويل المؤسسات التعليمية إلى قاطرة للنهوض الاقتصادي والاجتماعي.غزة تستحق أن يتعلم أطفالها في مدارس، لا في خيام، وأن يحملوا الكتب لا آثار الحرب، وأن يكون مستقبلهم مفتوحاً بالعلم، لا مغلقاً بالدمار.
*جامعة الأزهر – غزة
عضو الأمانة العامة لاتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين