نشرت في 05 مايو 2026 10:47 ص
https://khbrpress.ps/post/429926
يتكلّم نتنياهو عن القتال على سبع جبهات، وتغيير خارطة الشرق الأوسط.
وعلى الأرض ما يكفي من الشواهد لتعزيز هذا الكلام.
وبما أن الشيطان في التفاصيل، كما يُقال، فإن الشواهد نفسها تنفتح على احتمالات متعددة، ولا تنسجم، بالضرورة، وفي كل الأحوال، مع نبرته الانتصارية الساعية لإقناع القاعدة الانتخابية، وبقية الإسرائيليين، بجدوى الحرب.
تكلمنا في معالجة سبقت عن دلالة الحرب التي تشنها إسرائيل، للمرّة الأولى في تاريخها على دولة غير عربية، وما لهذا كله من تداعيات على البيئة الاستراتيجية للشرق الأوسط، والصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، ومركزية المسألة الفلسطينية.
ويعنينا، في معالجة اليوم، الكلام عن شواهد القتال على سبع جبهات، وأوّل حرب مع دولة غير عربية، من زاوية الاحتمالات المتعددة، وعدم انسجام النبرة الانتصارية مع التداعيات الاستراتيجية للحرب.
وأوّل خيط في هذا التحليل أن أوّل حرب مع دولة غير عربية لم تكن لتتحقق لولا المشاركة العسكرية، والسياسية، والمالية، والدعائية، المباشرة والفاعلة، من جانب الولايات المتحدة.
شاع الكلام في أدبيات السياسة العربية، خاصة اليسارية منها (في زمن مضى، قبل تدمير الإسلام السياسي والإبراهيميات للسياسة لغة ودلالات) عن حروب الإمبريالية الأميركية في الشرق الأوسط، وعلاقتها العضوية بالدولة الإسرائيلية. في حرب تشرين 1973 برر السادات قبول وقف طلاق النار بعدم قدرته على القتال ضد أميركا «ما أقدرش أحارب أمريكا» كما قال.
ومع ذلك، لم يسبق للأميركيين أن خاضوا حرباً مشتركة مع إسرائيل، كما حدث في هجوم «قطع الرأس» في شباط 2026، وفي الهجوم على المنشآت النووية الإيرانية في حزيران 2025.
ولا يعنينا من هذا كله، الآن، سوى حقيقة أن مشاركة أميركا في أوّل حرب إسرائيلية ضد دولة غير عربية نجمت عن أمرين: أولاً، قصور إسرائيل بالمعنى العسكري، فهي لا تملك ما يكفي من القدرات العسكرية، والاستخبارية، للإطاحة بالقوة الإيرانية الصاعدة. وثانياً، وجود دونالد ترامب في البيت الأبيض.
لا فائدة من الخوض في موضوع القدرات العسكرية، فهذا متروك للخبراء.
أما المتداول في وسائل الإعلام فيتعلّق بعدم امتلاك الإسرائيليين لقنابل قادرة على اختراق التحصينات، وحاجتهم لتزويد الطائرات الهجومية بالوقود في الجو، وتقنيات شل الدفاعات الجوية الإيرانية، إضافة إلى اعتراض هجمات الإيرانيين الصاروخية المضادة.
أما الأمر الثاني، أي وجود ترامب في البيت الأبيض، فيفتح صندوق باندورا العجيب: لا يقتصر على مدخل بعينه، ولا تكفي معالجة واحدة للكلام عنه، وفيه من غير المعلوم، على الأرجح، ما لا يقل هولاً وأهمية عن المعلوم.
لذا، نتكلّم، هنا، عن أمور قليلة منها أن أحداً من الرؤساء الأميركيين قبل ترامب لم يقتنع بالذرائع التي ساقها نتنياهو بشأن الخطر النووي الإيراني، ولم يفكّر في العمل العسكري ضد إيران كحل للمشكلة.
ثمة ما لا يحصى من الشواهد. وتكفي، في هذا الشأن، الإشارة إلى مذكرات إيهود أولمرت، الذي شغل منصب رئيس الوزراء في إسرائيل 2006 - 2009، وكان مسؤولاً عن تدمير المشروع النووي السوري في دير الزور، فيما عُرف في حينه بعملية البستان في العام 2007.
يروي أولمرت في المذكرات عن لقاءات مع بوش الابن، الذي أخبره أن «المشكلة الإيرانية» يمكن حلها بطرق أُخرى غير العمل العسكري.
ويتكلّم عن توصل أوباما إلى الاتفاق النووي مع إيران كترجمة عملية وسياسية لقناعة أجهزة الاستخبارات، ومختلف المؤسسات الأميركية ذات الصلة، بعدم اقتراب الإيرانيين من امتلاك قنبلة نووية، خلافاً لتحذيرات نتنياهو المسرحية (وهذا كلام أولمرت أيضاً) في الأمم المتحدة، ومنابر دولية مختلفة.
يمكن القول، لتعزيز هذا الكلام، إن الوكالات الأميركية ذات الصلة، حتى في عهد ترامب نفسه، لم تبد قناعة تُذكر، ولا قدّمت دلائل دامغة، بشأن المخاطر العاجلة للمشروع الإيراني.
المهم أن الفأس وقعت في الرأس، كما يُقال، وأن ترامب فعل ما لم يفعل أحد قبله من الرؤساء الأميركيين (وهذا كلامه أيضاً) وورّط أميركا بالمشاركة مع إسرائيل في مغامرة شن الحرب على إيران.
وهي المغامرة التي تضع العالم يوماً بعد يوم على عتبة حرب عالمية ثالثة.
يبدو إقناع ترامب بالانخراط في الحرب، إذا وضعنا سيرة بنيامين نتنياهو في الاعتبار، ومركزية الخطر الإيراني في خطابه وسياساته، نهاية سعيدة لرهان تملكه على مدار ثلاثة عقود مضت.
من السابق لأوانه، بطبيعة الحال، اعتبار النهاية السعيدة نتيجة أكيدة، أو وحيدة، للحرب. فخلاصات كهذه وثيقة الصلة بالكيفية التي ستنتهي بها، ومدى ما حققت من نتائج عاجلة وآجلة.
ومع ذلك، لا يبدو من السابق لأوانه القول إن حسابات الحقل اختلفت عن حسابات البيدر، وإن التداعيات المرئية للرهان النتنياهوي في أميركا وإسرائيل لا تُرجّح كفة النهايات السعيدة، وتعرّض العلاقة الإسرائيلية ـ الأميركية نفسها لمخاطر غير مسبوقة.
لم يسبق في تاريخ العلاقة المعنية أن تكلّم أميركيون في متن الحقل السياسي، لا على هامشه، عن ساكن البيت الأبيض بوصفه «عبداً» لرئيس حكومة أجنبية هو نتنياهو، ولم يسبق أن سكن البيت الأبيض شخص بمواصفات ومؤهلات ترامب العقلية والجسدية، والكثير منها، خاصة ما يتصل بجنون العظمة، والهبل، كان حكراً على طغاة من العالم الثالث في زمن مضى.
ثمة الكثير مما يستحق التفكير والتدبير، وينبغي أن يُقال. هذا موضوع معالجات تستقرئ ملامح الشيطان في التفاصيل. فاصل ونواصل.