بقلم عبدالمجيد سويلم

الصراع في الضفة وعليها هو صراع المصير

نشرت في 30 يوليو 2026 10:52 ص

بقلم عبدالمجيد سويلم

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/433259


 


في أغلب الظن أن ثمة توافقاً فلسطينياً واسعاً حول هذا العنوان، وفي أغلب الظن أيضاً أن المخاوف الفلسطينية على مصير الضفة، والتي مرت في مراحل مختلفة من إدراك عمق ما تنطوي عليه من أخطار مصيرية، ومن تهديد وجودي على المصير الوطني كله تزداد يوماً بعد يوم، وبصورة ملحوظة وغير مسبوقة، في ضوء تسارع وتيرة وأشكال الاستيطان، وفي ضوء تعاظم أحجامه وأبعاده وتحوله إلى الشغل الشاغل لحكومة التطرف العنصري للاحتلال، وفي ضوء ما تسخّره هذه الحكومة من إمكانيات ومقدرات هائلة، إن كان على صعيد الموازنات المباشرة وغير المباشرة، أو على صعيد زج آلاف مؤلفة من المستوطنين لتنفيذ عشرات المخططات المدرجة على جدول أعمال هذه الحكومة، بإسناد كامل، ودعم رسمي من قبل عشرات الآلاف من جيش الاحتلال في عملية متسقة من الأدوار المتبادلة.
إلى هنا نحن نصف واقعاً معاشاً ومشاهداً ومحسوساً ومشخصاً، وتتوفر حوله وعنه معطيات كاملة بالأرقام والوثائق، وحتى بالخرائط التفصيلية، وتتابعه جهات غير حكومية إسرائيلية، كما تتتبعه كل دول الغرب عن كثب، وكل المؤسسات الدولية، وكلها ودون أي استثناء تعرب عن رفضها أو معارضتها وإدانتها لهذا الاستيطان، وهناك من بدأ بمقاطعة جدية لمنتجات المستوطنات، وهناك من يهدد برفع مستوى رفض السياسات الاستيطانية وصولاً إلى العقوبات المباشرة.
لكن السؤال المطروح على الشعب الفلسطيني كله هو:
بعد أن تأكد لنا الخطر الذي يمثله هذا الاستيطان، وفي ضوء ما هو معلن، وما هو قائم من عمليات متسارعة من الضم الزاحف للضفة بأشكال متعددة، وبإجراءات يومية، وأوامر وقوانين وتعليمات مرافقة لهذا الاستيطان الجارف، وما يوفره ويمهده للضم الزاحف، ما العمل؟ وماذا لدينا من خطط لمواجهة هذا الخطر؟ وهل نعي حقاً كيف سنخسر معركة الضفة، إذا بقينا على حالنا وهي معركة مصير وطني؟ وهل ندرك حقاً كيف تفكر دولة الاحتلال؟ وكيف تخطط لربح هذه المعركة المفصلية؟
قبل الحديث عن واجبات وموجبات التصدي لمخططات حكومة ودولة الاحتلال، وفيما إذا كنا على قدر المسؤولية الوطنية على هذا الصعيد، تعالوا أولاً لنرى فيما إذا كنا نعرف الآليات التي تعمل عليها دولة الاحتلال لتحويل الاستيطان إلى حرب (صامتة أو خافتة)، أو إلى تحويل الضم إلى واقع قائم جوهره ومضمونه الأعمق والأهم منع قيام كيان وطني فلسطيني قابل للتحول إلى دولة في أي مستقبل.
هنا أدعي أن أكبر قصور فلسطيني يكمن في هذا الجانب بالذات، وهو جانب قراءة الخارطة الاستيطانية - وقراءة خارطة الضم، ليس في بعدها الكمي - وليس بدور المستوطنين ودور الجيش، وليس بالحواجز والبوابات، وفي التداخل السكاني والجغرافي فقط، على الأهمية البالغة والأكيدة لكل هذه الزوايا والأبعاد... وإنما يتجلى هذا القصور في عدم إدراك أو وعي المآلات الملموسة التي ستنتهي إليها خرائط الاستيطان والضم الزاحف.
والذي أراه هنا تحديداً، وقد كتبته منذ عدة سنوات، وإذ أصبح الوضع أكثر وضوحاً من أي وقت مضى، هو أن دولة الاحتلال بما هي عليه الآن من تطرف وعنصرية يمينية، وبما باتت عليه من محتوى إجرامي جديد في بعض مظاهره الداخلية المتصاعدة، وبما يخطط له خصوصاً الجناح الكهاني في الأيديولوجيا وفي السياسة وفي الممارسة العملية، وما وصل إليه هذا الجناح من مكانة ومن استعدادات عالية للمضي قدماً في مخططات الضم والاستيطان.
الذي أراه أن المرحلة الأولى من الخطة الجهنمية لهذا التيار المدعوم من دولة الاحتلال وجيشها ستكون رفع مستوى الاشتباك بوتائر أعلى بكثير من واقع التشابك، وصولاً إلى طمس أو محاولة طمس قضية الاحتلال، وتهريب رواية الاحتلال إلى خارج مسرح الصراع، وتصوير الصراع وكأنه صراع بين أهالٍ فلسطينيين وأهالٍ يهود، وبحيث تصبح مهمة الجيش الظاهرية والشكلية هي الفصل بين الأهالي، وعلى اعتبار أن ضبط الأمن في معمعان هذا الصراع هي مسؤولية قانونية وأمنية «طبيعية».
وعندما يحتدم هذا الصراع، وتبدأ ردود الأفعال الداخلية الإسرائيلية، وكذلك الإقليمية والدولية، عليه، سيعمل اليمين العنصري على إنشاء كيان جغرافي وسكاني متجانس ومتواصل على أكبر مساحة متاحة من الضفة.
أقصد أن المرحلة الثانية في أغلب الظن «ستتطلب» عمليات تهجير مدروسة في الخارطة الجغرافية والسكانية للضفة حتى يصار إلى تجسيد هذا الكيان، والذي هو بمثابة دولة للمستوطنين على المساحة المتاحة من الضفة.
ليس بالضرورة أن تبدأ عمليات التهجير إلى خارج الحدود، وقد تكون محصورة بالتهجير الداخلي في هذه المرحلة، وقد تتخللها عمليات إجرامية واسعة لتسهيل الوصول إلى هذا الحد.
الوصول إلى تجسيد «دولة» للمستوطنين في الضفة ستكون كما أرى هو الهدف المباشر لمنع قيام كيان وطني فلسطيني، وليس الحرب التي تشنها دولة الاحتلال على أي مظهر من مظاهر الكيان الوطني سوى التعبير المباشر عن هذا الهدف، بما في ذلك الحصار ومصادرة الصلاحيات واستباحة المناطق، وزرع المحيط السكاني الفلسطيني بالبؤر الاستيطانية والتي هي الإحداثيات التأسيسية لهذا الدولة الاستيطانية.
وهنا تستبق دولة الاحتلال أي حلول قد تفرض عليها، وتكون مجبرة عليها بحكم الفشل الذي وصلت إليه، وبحكم الإخفاق الإستراتيجي الذي يمكن أن تكرسه التغيرات الإقليمية والدولية التي طرأت على خارطة التوازنات المحيطة بها.
أمام واقع كهذا يصبح مضحكاً وكارثياً الحديث الذي ينأى بنفسه ويستنكف عن تحشيد الطاقات الوطنية في إستراتيجية موحدة للمجابهة الشاملة، وبحيث تحدد الحالة الوطنية الموحدة الأشكال الكفاحية في هذه المجابهة حسب الظروف الملموسة، وحسب درجة تصاعد وتيرتها ووفق المصالح الوطنية العليا وانطلاقاً منها وتحقيقاً لها، وليس من غيرها أو لغيرها أبداً تكبيل الحالة الوطنية من تحشيد الطاقات الوطنية، تحت شعارات غناء من التحارص على الناس ومصالح الناس، لن يستقيم أبداً إلا إذا توحدت وتوافقت كل الجهود والطاقات بقرار وطني موحد، ودون ذلك ستبدو مقاومة الضم مسرحية سياسية هزلية وهابطة في المستوى وفي الأداء.