نشرت في 23 أكتوبر 2026 10:15 ص
https://khbrpress.ps/post/436923
أتفق مع حركة «حماس» على أن تشكيل حكومة برئاسة آيزنكوت ستفك العزلة والنبذ الدولي الذي تعانيه إسرائيل بعدما ارتكبت الإبادة الجماعية في غزة، وعزز ذلك تصريحات بعض فاشيي حكومة اليمين الذين تمّت معاقبة بعضهم من قبل دول في الاتحاد الأوروبي، وأن حكومة برئاسة آيزنكوت ستعيد القناع لوجه إسرائيل الذي تم تمزيقه في سنوات حكم هذه الحكومة، بدءاً من الثورة القضائية وبلغت ذروتها مع ما ارتكبته من جرائم حرب في غزة على مدى سنوات ثلاث من إبادة وقتل نساء وأطفال وتجويع.
فحكومة يرأسها رئيس أركان سابق لم يسجل اصطداماً مع العالم، ووزير خارجية مثل الصحافي المخضرم العلماني بنكهة أوروبية يائير لابيد، ويرأس فيها وزارة الدفاع شخصية يسارية مثل يائير غولان يحمل قيم الليبرالية واليسار الأوروبي، بالتأكيد سيُفسَح لها صدر العواصم، وسيتم تحميل نتنياهو وحكومته التي تكون قد غادرت مسؤولية الإبادة.
تلك ليست بشرى لأي فلسطيني، وإذا كان مثلنا من الكتاب يقرؤون هذا بالمعنى الوطني، فإن «حماس» ليست كذلك، فلديها في هذا الأمر اعتبارات حزبية تتعلق بسردية يتيمة استولدتها من رحم الإبادة، وهي أن هناك إنجازاً كبيراً تحقق في السابع من أكتوبر، وهو التسبب في عزل إسرائيل وتنامي الغضب الشعبي ضدها وتعريتها لهذا الحد، وهو المسوّغ الوحيد الذي باتت تردّ فيه على من أصيبوا بدهشة مغامرتها الفادحة التي أدت لسحق قطاع غزة وإلقاء سكانه بين القبور والخيام ووضعه على حافة التهجير. فإذا تحقق سيناريو آيزنكوت فهذا يعني أنها ستفقد المسوغ الوحيد للمغامرة، وفي فقدانه ما يستدعي إحالتها للتقاعد السياسي ومغادرة التواجد سياسياً بين الفلسطينيين، هي مأساة حركة خلطت الدين بالسياسة رغم كل التحذيرات والنصائح التي ألقت بها ساخرة متكئة على نصوص وعد الآخرة فكان ما كان.
ولكن في الأمر ما هو أخطر من ضيق الحسابات الحزبية، وهو أن حكومة برئاسة نتنياهو تضم عدداً من أقطاب الفاشية وتستمد من النصوص القديمة برامج سياسية، وتحمل تلك النصوص من الحروب والمعارك ضد الفلسطينيين ما يكفي لشحن توربينات عنف السياسة وتفعيل مشاريع التهجير والطرد. لهذا لم يكن من المصادفة أن يحصد وريث حركة كاخ ووريث زعيمها السياسي والروحي مائير كاهانا، وهو إيتمار بن غفير، بين 8 إلى 10 مقاعد في الكنيست القادم أي ما يساوي وحده 8% من الشارع الإسرائيلي. أما إذا ذهبنا لأعضاء اللجنة المركزية لحزب الليكود من المستوطنين وشبيبة التلال، وعرجنا على بتسلئيل سموتريتش الذي يعلن صراحة أن خيار الفلسطينيين كما فعل يهوشع بن نون هو التهجير، يتشكل لدينا تصور إذا ما عاد نتنياهو تشكيل حكومته سيكون برنامجها التهجير.
قال سموتريتش كلاماً يجب أن يحظى باهتمام كبير في ظل رغبته هو ونتنياهو بانسحاب عوفر فينتر رئيس حزب عمخا يسرائيل من المنافسة، فقد عرض على فينتر مقعداً في وزارة الدفاع وقيادته لهيئة أو وزارة تقوم بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة يشرف عليها، وكي يحظى فينتر بمهمة تنفيذ المشروع التاريخي ليدخل التاريخ كمن قام «بتطهير» الأرض من الفلسطينيين، وتلك تستدعي الاختيار بين السيئ والأسوأ، ونظراً لما تشكله حكومة نتنياهو من خطورة شديدة على ما تبقى من المشروع الفلسطيني بعد السابع من أكتوبر، فعلى الأقل لا تحمل حكومة يشكلها آيزنكوت تلك السياسة الفاشية مع وجود حزب الديمقراطيين الذي لا يتشارك بتلك الأفكار، خصوصاً إذا ما حظيت حكومته بثقة بعض العرب من خلال ضم يوآف سيجالوفيتش الرجل الثاني في القائمة العربية الموحدة، وتلك اللعبة الذكية التي قام بها منصور عباس لرفع الحرج عن التفاوض مع الحزب العربي، وهو ما أصبح واحداً من الخطوط الحمر بعد السابع من أكتوبر.
يدرك نتنياهو أنه لا أحد من المعسكرَين سيتمكن من تشكيل حكومة، ومن الصعب تصور انتقال أحزاب بين المعسكرَين ولا انتقال أعضاء حتى، وهو من أهم وأخطر السياسيين في إسرائيل. وإذا كان مدركاً أنه يستحيل على معسكره النجاح في ذلك، فإن إستراتيجيته تقوم على قطع الطريق على آيزنكوت من تشكيل حكومة، ولأن خلاص آيزنكوت الوحيد هو من الأصوات العربية والتي تبدي قدراً من المرونة في إطار مهمة إسقاط اليمين الفاشي. فقد قامت دعاية حزب الليكود على تخويف الإسرائيليين من أن حكومة تحظى بدعم العرب على نمط آيزنكوت والطيبي سيقيمون دولة فلسطينية، وآيزنكوت والعرب سيدمرون إسرائيل، ولأن آيزنكوت جديد في السياسة وليس ثعلباً كما نتنياهو الذي يمارسها باحتراف وخداع كبيرَين منذ تسعينيات القرن الماضي، فقد تسبب تلك الدعاية قدراً من الخوف لدى آيزنكوت الذي تلاحقه الصحافة حول تحالف محتمل مع العرب فيتلعثم في الإجابة.
لو لم يحدث السابع من أكتوبر لكانت حكومة نتنياهو - سموتريتش - بن غفير أفضل وصفة لخراب إسرائيل. فالعقل الديني دوماً مدمر للسياسة وللمجتمعات، وللفلسطينيين تجربة حية، وفي إسرائيل كادوا يدمرون دولة القانون لولا عملية «حماس» التي أوقفت ذلك، وهؤلاء أفضل وصفة لعزل إسرائيل وتحقيرها، فهم أفضل من يعمل لأعداء إسرائيل، لكن حين يتعلق الأمر بالتهجير ووضع القضية الفلسطينية برمّتها على حافة الشطب، فلا يمكن التساهل مع من يعتقد أن نتنياهو وحكومته أقل شراً من الآخرين، فهذه نظرة قاصرة لم تدرك فداحة الأزمة بعد وخطورة اللحظة.. المهم أن تتسلح بالكلام في مواجهة خصومها، وهذه مأساة.