الكاتب: حسن خضر

تطور غير متوقع وضريبة باهظة...!!

نشرت في 16 يونيو 2026 10:48 ص

الكاتب: حسن خضر

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431554



 

من السابق لأوانه الخروج بأحكام قاطعة تخص التوقيع على مذكرة التفاهم الأميركية ـ الإيرانية لوقف الحرب، وما يتصل بها من بنود وتفسيرات. 
ومع ذلك، لا مجازفة في القول إن الحرب التي شنها الإسرائيليون والأميركيون على إيران لم تحقق أهدافها، وهذا يمثل انتكاسة فادحة للمعتدين.
وإذا تأكد في قادم الأيام أن المذكرة تشمل لبنان، فلن يجد الناس صعوبة في اكتشاف أن مقامرة نتنياهو الكبرى (أوهام الهيمنة على الشرق الأوسط) قد ارتطمت بالأرض. وهذا ما لا يتضح بصورة كافية ما لم نضع الأوهام نفسها في سياقها التاريخي الصحيح.
وربما لن نعثر على لحظة زمنية أكثر تمثيلية، واختزالاً لشواهد كثيرة، من تسعينيات القرن الماضي، التي شهدت دحر الغزو العراقي للكويت، وبناء القواعد الأميركية بكثافة غير مسبوقة في الخليج. 
تضافرت الأحداث المذكورة، وهي من عيار ثقيل، مع صعود نتنياهو إلى سدة الحكم في إسرائيل، وصعود نجم المحافظين الجدد في واشنطن.
ولنلاحظ، هنا، أن اللحظة المعنية هي الأولى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والكتلة الاشتراكية. 
وكلاهما الكفة الوازنة الأخرى في معادلة صراع وتوازن القوى والأيديولوجيات والاقتصادات والجيوش والسرديات على صعيد العالم. 
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى حرب الخليج الثانية بوصفها أولى الحروب في مشروع القوّة الأميركية لهندسة الشرق الأوسط، والعالم، بعد نهاية الحرب الباردة.
وبقدر ما يتعلّق الأمر بالشرق الأوسط فإن لدينا وثيقة مرجعية في صورة تقرير للمحافظين الجدد بعنوان «قطع نظيف لتأمين المجال» (1996). 
التقرير «خارطة طريق» بالمعنى الحرفي للكلمة، لهندسة الشرق الأوسط بما يضمن الهيمنة الإسرائيلية. 
ولا يبدو من قبيل الصدفة أن كتّابه قدّموا تقريرهم لنتنياهو، الصاعد إلى سدة الحكم في العام نفسه. 
وقد اشتمل على توصيات في مجالات محددة منها ما يخص الاقتصاد والسياسة الثقافية (تصفية الاتحادات والسياسات العمالية لمصلحة اقتصاد السوق، والليبرالية الجديدة، وإرساء التحالف مع الولايات المتحدة على قاعدة القيم الغربية،) وما يخص الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي (رفض معادلة الأرض مقابل السلام، وفرض السلام على العرب، بعد إخراج الفلسطينيين من المعادلة واحباط أوسلو).
تناولتُ خارطة طريق المحافظين الجدد، بالتعليق والتحليل، في معالجات سبقت. 
لذا، أود التركيز على أحداث وثيقة الصلة بالتطبيقات العملية لخارطة الطريق، بخطوطها المستقيمة والمتعرّجة، والعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، أيضاً. 
ولنضع في الاعتبار، هنا، أن الكلام عن خارطة طريق لا يعني الانتقال من بند إلى آخر، بطريقة سلسة، كما يحدث في الأفلام والروايات، فالواقع أشد تعقيداً من التصوّرات النظرية عنه، وقد تؤدي التصوّرات النظرية والمسبقة إلى توليد نتائج غير متوقعة.
ولكي نتفادى الغرق في تفاصيل وتمثيلات غير ضرورية، يمكن التفكير في إطار تحليلي مزدوج يشمل إسرائيل والولايات المتحدة معاً، ويُسهم في تفسير خيارات وسياسات الطرفين، علاوة على أحداث وتحوّلات من وزن منها أوسلو، وحرب احتلال العراق، وحروب العشريتين الأولى والثانية في العالم العربي، وصولاً إلى حرب القيامة، التي اندلعت في أواخر 2023 ولم تتوقف بعد.
يقوم إطارنا التحليلي، في هذا الصدد، على فرضية أن التصوّرات الاستراتيجية لصنّاع السياسة في إسرائيل، إزاء قضايا الصراع الفلسطيني والعربي ـ الإسرائيلي، لم تكن متطابقة، وهذا ما نجمت عنه تصوّرات لمبادرات وحلول سياسية مختلفة. 
وبالقدر نفسه، لم تكن التصوّرات الاستراتيجية، وموازين القوى، لدى صنّاع السياسة الأميركية، متطابقة، بالضرورة، في الموقف من إسرائيل، والشرق الأوسط عموماً. وهذا ما نجمت عنه مبادرات وحلول سياسية مختلفة.
وما ينبغي التشديد عليه، في سياق كهذا، أن العلاقة بين الطرفين الإسرائيلي والأميركي كانت تبادلية وتفاعلية، ولا تحتمل التبسيط في معادلة حمقاء من نوع أن 99 بالمائة من أوراق اللعبة في يد أميركا. 
وما يعنينا، الآن، أن الكثير من السياسات الأميركية نجمت عن محاولة لإيجاد نوع من التوازن بين تصوّرات مختلفة لدى صنّاع السياسة الإسرائيلية، دون المجازفة بالانحياز لطرف على حساب الآخر. 
ومع ذلك، حرر الضمور الانتخابي، والسياسي، والأيديولوجي، للعماليين و»اليسار» الصهيوني، صنّاع السياسة الأميركية من لعبة التوازن.
يمكن، مع هذا الإطار التفسيري في البال، تفسير لحظة دونالد ترامب في السياسة الأميركية بوصفها تتويجاً لعلاقة تفاعلية متبادلة بين فريق من صنّاع السياسة الإسرائيلية وقد صاروا من لون واحد، وما يقابلهم من صنّاع للسياسة في واشنطن، وقد تحرروا من ضرورة البحث عن توازن من نوع ما بين تصوّرات إسرائيلية متباينة. 
وهذه اللحظة، بالذات، هي ذروة العلاقة بين الطرفين، والتي وُضع فيها مشروع الهيمنة على جدول الأعمال بطريقة ملحة، لأن اللحظة نفسها غير قابلة للتكرار.
على أي حال، ينبغي أن نضع حرب احتلال العراق، وتفكيك دولته المركزية، على رأس التطبيقات العملية لمشروع الهيمنة.
لن نتمكن من فهم الحرائق التي اشتعلت في العالم العربي منذ تسعينيات القرن الماضي، وحتى يوم الناس، بعيداً عن فرضية كهذه. 
كان العراق هو الدولة المركزية الثانية، بعد مصر. وكان القضاء عليه جزءاً من عملية تدمير المراكز الحضرية والحضارية للعالم العربي.
وفي السياق نفسه، نضع الحرب لإجهاض القوّة الإيرانية الصاعدة، وتفكيك دولتها المركزية. 
وهذا ما فشلت الحرب الحالية في تحقيقه. ونراقب في الأفق ردة فعل غير متوقعة، في أوساط الأميركيين أنفسهم، معادية لسياسات المحافظين الجدد، أو غير مستعدة لدفع ما تستدعي من أثمان وضرائب. وهذا تطوّر غير متوقع، وضريبته باهظة.