نشرت في 05 أبريل 2026 01:13 م
https://khbrpress.ps/post/428734
لم تمر على الغزي وسيلة للبقاء إلا وجربها، سنين الحرب الصعبة وما تلاها، مرت عليه أيام صعبة لم يجد فيها قوت يومه، ولا عمل يمكن أنّ يُضيف له دخلاً يُعينه على صعوبة تلك الأيام.
تغيرت ملامح الحياة بكل جوانبها المادية والمعنوية، ما اضطر المواطن للبحث على بديل يرتكز عليه بدل المفقود وقد تحدثنا سابقاً عن الطعام والخضار والفواكه وكيف استطاع أنّ يُكيف نفسه بأطعمة أخرى قريبة جداً من تلك المفقودة، ولعل من أبرز الأشياء التي واجهها المواطن اختفاء السيولة النقدية من الأسواق فوجد نفسه أمام واقع اقتصادي متغير، وعليه أنّ يتعامل معه بكل حنكة ومسؤولية، ففرضت الظروف عليه أنّ يستبدل الأوراق النقدية بالهاتف الذكي والتطبيقات المالية بديلاً عن البنوك المقفلة منذ أكثر من عامين، وإنّ عمل بعضها في الآونة الأخيرة لسد خانة عند المواطن الذي تعود على التأقلم في الكثير من المواقف.
الهاتف المحمول أصبح بنكاً
في الفترة الماضية ومع اشتداد الحصار الخانق بدأت تطفو على السطح وسائل أخرى مثل تطبيقات الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، فأصبح المواطن يقوم بتحويل الأموال عبر الهاتف ويشتري ما يحتاجه عبر تطبيق رقمي مثبت على الهاتف، بالإضافة إلى أنّه يقوم بتحويل أمواله بضغطة زر، تلك الوسائل لم تكن موجودة قبل الحرب ولكنها جاءت نتيجة حاجة المواطن كما ذكرناها آنفاً.
كم لديك من مال على التطبيق
ولعل من عجائب الوقت أنّ السؤال الجديد الذي يُمكن أن يواجهه الفرد في غزة هو ليس كم معك نقود في جيبك ولكن كم معك رصيد في محفظتك الإلكترونية؟.
وما ساهم في ترسيخ وتثبيت التعامل بتلك المحافظ هو الإغلاق الذي يفرضه الاحتلال على القطاع والبنوك وسلطة النقد، فقد منع أي سيولة نقدية أنّ تدخل القطاع عبر التجار أو إدخالها للبنوك العاملة في غزة، فاتجهت المؤسسات الدولية والمحلية للتعامل مع التطبيقات الإلكترونية في تقديم الدعم المالي للمحتاجين في غزة، فقامت بإرسال تلك النقود على المحافظ كُل على محفظته الخاصة.
“معي 2000 شيكل ع التطبيق وما معي شيكل بجيبتي”
ومن الجوانب التي أصبحت واقعاً مريراً على حد تعبير بعض الناس أنهم لا يملكون في جيبهم شيكلاً واحداً في حين أنهم يملكون آلاف الشواكل في محافظهم الإلكترونية.
“سعد الدين الفرا” وهو أحد المواطنين الذين يقفون في طابور طويل أمام موظف الحسابات في أحد المولات التجارية في جنوب القطاع ليدفع ثمن ما اشتراه من مواد غذائية وصحية عبر محفظته الإلكترونية، يقول: "الدفع عبر التطبيق الإلكتروني سهل وسريع وخصوصاً أن السيولة النقدية شبه معدومة في غزة، وإن وجدت تكون مقطعة و"مخزوقة" فتبدأ رحلة المعاناة مع البائعين والتجار الذين لا يشترونها أو لا يقبلون التعامل بها".
وتابع سعد حديثه قائلاً لمراسلة "وكالة خبر": "التعامل مع المحافظ يجنبنا الإحراجات الكثيرة من حيث النقود الممزقة أو أن يقول لك البائع بأنه لا يملك فكة يرد بها ما تبقى لك من نقود فتضطر لأن تسير مسافات طويلة تبحث عمن يفك لك نقودك لكي تشتري ما تحتاجه، إلى أن جاءت المحافظ وحلت المشكلة القائمة، أنا حقاً سعيد بهذه الخطوة".
ولفت سعد إلى أنّه لا يملك شيكلاً واحد في جيبه، وقال: "تخيلي أنني لا أملك أيّ نقود في جيبي، فأضطر لأنّ أشتري بعض الحاجيات لأطفالي الصغار لكي لا يطلبوا مني شيكل لشراء ما يحتاجونه من حلويات وبسكويت، وكلما يطلبون مني شيكل أعطيهم مما اشتريته لهم مسبقاً عن طريق المحفظة الإلكترونية التي أملك فيها أكثر من 2000 شيكل، وهكذا تسير الحياة، مع العلم أن الاعتماد على المحافظ الإلكترونية وحده لا يكفي فعلى سلطة النقد أنّ تجد حلاً لكي يكون هناك أموال في غزّة بيد المواطنين يستطيعون ممارسة حياتهم الشرائية بشكل طبيعي بجانب التطبيقات المالية".
“حل أم مشكلة؟”
انقسم المواطنون الذين رأوا بأنّ وجود المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية ما بين الحل والمشكلة، فحين رآها البعض بأنّها تمثل حلاً كبيراً في ظل شح السيولة النقدية ووجود التالف منها أكثر من الجيد، رأى البعض بأنها مشكلة بحد ذاتها ففئة كبيرة من عامة الناس لا يملكون محافظ ولا حتى هواتف حديثة تدعم تلك التطبيقات، إما أنّ يكونوا من كبار السن وإما من الفقراء الذين لاحول لهم ولا قوة بالإضافة إلى أنّ الحياة تتطلب كثيراً وجود الفكة في جيبهم لشراء أشياء بسيطة من على بسطات البائعين أو دفع حق المواصلات القصيرة أو الطويلة للسائق وغيرها".
وبالنسبة للسائقين فقد اتجه عدد كبير منهم لاعتماد التطبيقات البنكية للتعامل مع الزبائن، ولكن تبقى المشكلة قائمة ويتأفف منها الزبائن كثيراً وهذا ما حدث مع محمود حينما أراد الذهاب من خانيونس جنوب القطاع لمدينة غزّة، وأراد السائق أن يتم تحويل ثمن المواصلة عبر التطبيقات المختلفة للزبائن على رقمه لكنه لا يملك أيّ شبكة إنترنت فيضطر الزبون للاتصال على أحد أقاربه لكي يتم تحويل المبلغ أو أن يحول هو عن طريق حزم البيانات البطيئة، أو الوقوف بجانب أحد النقاط التي تقوم ببيع الإنترنت لكي يتمكن من تحويل المبلغ للسائق وبالطبع ستأخذ هذه العملية جهداً ووقتاً إضافيا للركاب.
يقول محمود: “كنت ذاهب لعملي وقد اضطررت للخروج من الخيمة قبل موعد العمل بساعتين وأنّ أحسب الوقت الذي يمكن أن تستغرقه السيارة بالطريق مع احتساب بعض العوائق التي يمكن أن نواجهها بالطريق وهي كثيرة، وبالفعل ماحسبته وجدته لقد تأخرت على موعد عملي وأنا الذي خرجت مبكراً قبل الموعد بساعتين، أصل العمل بعد ساعة من بدءه، لأن السائق بكل بساطة توقف بنا في عدة نقاط لكي يتم تحويل ثمن المواصلة من الركاب له ولأنّه لا يملك في جيبه هاتفاً كان كلما توقف عند نقطة معينة يتم فيها تحويل المبلغ يقوم هو بالاتصال على زوجته لكي تؤكد له وصول المبلغ المحول بالإضافة إلى أنّ السائق يتعامل مع الزبائن على أنهم مجموعة حيوانات حيث يقوم بتكديسهم فوق بعضهم البعض داخل السيارة، فالسيارة التي يمكنها أن تتحمل خمسة ركاب يقوم هو بالسماح لعشرة بالركوب حتى انفجر العجل وبقينا ساعة كاملة في السيارة نندب حظنا إلى أنّ تمكن هو من حل المشكلة حتى وصلنا لوجهتنا متأخرين”.
ومع هذا التحول السريع برزت عدة تساؤلات على لسان المواطن، هل هذه التطبيقات مجرد حلٍ مؤقت فرضته الأزمة؟ أم أنها بداية لمرحلة جديدة من الاقتصاد الرقمي في غزة؟.
إن ما يجري في غزة اليوم يكشف صورة واضحة لما يسمى اقتصاد الحرب؛ اقتصاد يتشكل تحت الضغط، وتفرضه الضرورة، وتعيد تسميته الأزمات. ففي الوقت الذي كان الناس يعتمدون فيه على الأوراق النقدية في حياتهم اليومية، أصبح الهاتف المحمول هو الوسيلة الأهم للتعامل المالي.