نشرت في 17 يناير 2026 07:51 م
بالرغم من الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبنية التحتية في قطاع غزة جراء العدوان الإسرائيلي، وما نجم عنه من ضعف حاد في خدمات الإنترنت وتردٍّ في مختلف مناحي الحياة، إلا أن عشرات الطلبة والخريجين يصرون على مواجهة هذه التحديات، رافضين الاستسلام لليأس أو التراجع عن أحلامهم.
وفي مشهد يومي، ينطلق هؤلاء الشباب مع ساعات الصباح الأولى بحثاً عن أماكن توفر اتصالًا بالإنترنت، سواء في المساحات العامة أو الخاصة، لمواصلة تعليمهم أو أعمالهم الحرة في ظل الانقطاع شبه الدائم في المناطق السكنية.
لكن هذا السعي يصطدم بعقبة أخرى تتمثل في ارتفاع أسعار استخدام مساحات العمل، والتي يرى كثيرون أنها باتت مرهقة ولا تتناسب مع أوضاعهم الاقتصادية الصعبة.
طموح رغم الصعوبات
فدوى نصار، صحفية تمثل نموذجًا لآلاف الخريجين والعاملين في غزة الذين يواجهون تحديات كبيرة في الوصول إلى الإنترنت، لا سيما مع كثرة نزوحهم المتكرر نتيجة العدوان الإسرائيلي على القطاع.
تقول نصار: "اضطررتُ في كثير من الأوقات للجلوس لساعات طويلة في الطرقات من أجل إتمام عملي عبر الإنترنت"، مُشيرةً إلى أن توفر الإنترنت الجيد في مساحات العمل كان الدافع الرئيسي للجوئها إليها، واصفةً الأسعار المفروضة بالمبالغ به مقارنةً بالخدمات التي تقدمها تلك المساحات.
وأكدت نصار، على أن هذا الوضع شكل عليها عبئًا ماليًا إضافيًا، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون في غزة، داعيةً الجهات المختصة إلى التدخل العاجل وتوفير خدمات الإنترنت بأسعار مناسبة للطلبة والخريجين، دعمًا لاستمرار تعليمهم وأعمالهم.
أما يسرى الصفدي طالبة في الثانوية العامة فقد لجأت إلى تلقي الدروس التعليمية الخاصة لمواكبة الفاقد التعليمي الذي خلفته الحرب الاسرائيلية على قطاع غزة، قائلةً: "إن شح الإنترنت في المنطقة التي أقطن بها دفعني إلى شراء بطاقات الإنترنت وللمكوث في الطريق لمتابعة دروسها التعليمية".
واضافت "أن من أبرز سلبيات بطاقات الانترنت غلاء سعرها مقارنة مع القدرة الشرائية للطلبة بالإضافة إلى قلة جودتها وسرعتها".
من مقاعد الجامعة إلى مساحات العمل
الطالبة الجامعية ندى إسماعيل، طالبة في كلية تكنولوجيا المعلومات، وجدت نفسها، بسبب الحرب الإسرائيلية، تنتقل من مقاعد الجامعة إلى مقعد في مساحة عمل، يوفّر لها خدمة الإنترنت اللازمة لمتابعة محاضراتها وتنفيذ مهامها الدراسية، والتي تحتاج يوميًا من أربع إلى خمس ساعات.
وحول تجربتها في التعليم الإلكتروني، أوضحت أنّها توقفت عن الدراسة فصلًا دراسيًّا كاملًا مع بداية الحرب، بسبب انقطاع خدمة الإنترنت.
وتابعت: "قررت العودة لمتابعة دراستي وتحقيق حلمي، لكن عائق خدمة الإنترنت المتوفر في بعض الطرق ضعيف ولا يلبي حاجتي، سواء لتحميل المحاضرات أو تقديم الامتحانات".
وأكملت: "لم أجد حلًا أمامي سوى بالاشتراك في مساحة عمل، بالرغم من ارتفاع تكلفتها، بالإضافة إلى تكاليف المواصلات اليومية من المنزل إلى المساحة" .
وذكرت إسماعيل أن بعض المشكلات التقنية في هذه المساحات يتمثل بانقطاع الإنترنت خلال تقديم الامتحانات، ما يتسبب في خسارتها للدرجات، لافتةً إلى أن بعض المحاضرين يراعون هذه الظروف، فيما لا يتقبلها آخرون.
وطالبت الجامعات بتوفير مساحات عمل مخصصة لطلبتها، من أجل تخفيف أعبائهم وتمكينهم من مواصلة تعليمهم دون معوقات.
وعلى النقيض من أولئك الذين تمكنوا من مواصلة تعليمهم رغم الظروف الصعبة، لم يتمكن الشاب حسن عيد، طالب في كلية الآداب، من الاستمرار في دراسته الجامعية بعد عامين بسبب تدهور أوضاعه الاقتصادية.
ويقول عيد: "قبل الحرب كنا بالكاد نتمكن من تسديد الرسوم الجامعية بالتقسيط، أما الآن فالوضع ازداد سوءًا، وأصبح من الصعب حتى توفير اتصال إنترنت لمتابعة المحاضرات، لذلك اضطررت إلى التوقف مؤقتًا عن الدراسة والبحث عن عمل لإعالة أسرتي بعد أن دفعتنا الحرب إلى ظروف معيشية قاسية".
ارتفاع التكاليف التشغيلية
الشاب سليمان شهاب، لجأ إلى تحويل مساحة فارغة أسفل منزله لمشروع صغير يوفر خدمة الانترنت والكهرباء للطلبة والخريجين مقابل أسعار تتناسب معهم، يأتي ذلك بعد أن فقد عمله في إحدى الشركات التي دمرها الاحتلال خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.
وأوضح شهاب، أن أسعار الاشتراك يتم تحديدها بناءً على التكاليف التشغيلية، كاشتراك الإنترنت عالي السرعة، وفواتير الكهرباء سواء من المولدات أو منظومة الطاقة الشمسية، إلى جانب رواتب العاملين، وأقساط تجهيز المكان من أثاث وتمديدات.
ولفت إلى أن ارتفاع الأسعار في بعض الأحيان يرتبط بعوامل خارجة عن الإرادة، مثل الأعطال أو تغيّر الأحوال الجوية، ما يضطره للاعتماد على الكهرباء العمومية ذات التكلفة العالية.
وأكمل شهاب: "بالرغم من أن ارتفاع أسعار الانترنت لا يناسب جميع الفئات، إلا أنني مضطر لذلك في بعض الأحيان لتغطية المصاريف في ظل غياب أي دعم خارجي"، مشيراً في الوقت ذاته إلى وجود إقبال متزايد من الطلاب والخريجين، ما يدل على أهمية هذه المساحات وضرورتها بالنسبة للكثيرين.
حلول تربوية
من جانبه قال الخبير التربوي والمختص في الصحة النفسية المجتمعية أحمد حمد: "إن أكبر عائق يواجهه طلبة التعليم الإلكتروني انقطاع الإنترنت ولاسيما بالمناطق المتضررة نتيجة ما خلفته الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة من دمار في مختلف مناحي الحياة".
وأشار حمد، إلى أن شح الانترنت بغزة من سلبياته انقطاع الدروس وصعوبة تواصل الطلبة مع المعلمين وضعف التفاعل وقلة التركيز بالإضافة إلى غياب الجانب العملي وحرمان الكثير من الطلبة من التعليم موضحاً أن ذلك يؤدي إلى فروق في توزيع الدرجات يؤثر فيما بعد على قدرات الطلبة في عملية التوظيف.
كما أكد الخبير التربوي، على أنه بالرغم من سلبيات التعليم الإلكتروني ألا أنه يعتبر تجربة ضرورية ومهمة في ظل التطورات التكنولوجية العالمية ونتيجة ما مر به قطاع غزة من ظروف استثنائية كالحرب الإسرائيلية وجائحة "كورونا".
"هناك عدة مقترحات لمشكلات التعليم الإلكتروني منها اعتماد التعليم المدمج وتفعيل مراكز مجتمعية تعمل على توفير الانترنت للطلبة بشكل مجاني، وعبر توزيع مواد تعليمية مطبوعة وثائق مسجلة، واستثمار الإذعات المحلية"، وفق ما يروي حمد.
ورأى حمد، أن الأسعار التي تطلبها الأماكن العامة والخاصة مقابل توفير الانترنت مرتفعة ولا تتناسب مع القدرة الشرائية للطلبة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها المواطنين في قطاع غزة، مشدداً على ضرورة توفير مبادرات من المؤسسات لتخفيف تكلفة الإنترنت عليهم.
وفي ختام حديثه، دعا حمد، وزارة التربية والتعليم إلى دعم التعليم الإلكتروني بشكل جاد عبر تحسين البنية التعليمية وتوفير منصات تعليمية مجانية من خلال تدريب المعلمين والطلبة على استخدامها، أملاً أن تضع الوزارة خطة طوارئ لضمان استمرار التعليم في كافة الظروف.