نشرت في 07 أكتوبر 2026 05:45 م
https://khbrpress.ps/post/436219
على شاطئ مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، يقف الصياد مفلح أبو ريالة كل صباح متأملاً البحر الذي رافقه طوال ثلاثين عاماً، فلم يعد يحمل شباكه كما اعتاد، ولم يعد قاربه يشق المياه بحثاً عن الرزق، فكل ما يملكه اليوم هو نظرات طويلة إلى البحر الذي أصبح قريباً من عينيه، بعيداً عن يديه.
يقول أبو ريالة، الذي يعمل في مهنة الصيد منذ 30 عاماً: "إنّ توقفه عن ممارسة المهنة منذ بداية حرب الإبادة عام 2023 شكّل عبئاً اقتصادياً ونفسياً كبيراً عليه وعلى أسرته"، مشيرًا إلى أنّ أوضاع الصيادين لم تتحسن منذ الهدنة، بل ازدادت سوءاً باستمرار استهدافهم بالقتل والاعتقال وتدمير مراكبهم ومعداتهم.
ورغم قسوة الواقع، يرفض أبو ريالة فكرة التخلي عن المهنة التي نشأ عليها وورثها عن والده، مضيفاً: "لم أفكر في أي لحظة أن أترك مهنة الصيد، أنا متعلق بها ولن أتركها".
ويتابع أبو ريالة في حديثه لمراسلة “خبر”: "كل يوم تذرف دموعي وأنا أرى البحر من منزلي ولا أستطيع دخوله بعد أن أُغلق بشكل كامل."
شهادة حيّة أخرى
أما الصياد رائد النجار، والذي يعمل في مهنة الصيد منذ 25 عاماً، يروي لوكالة “خبر”، أنّ الصيد لم يكن مجرد عمل بالنسبة له، بل إرثاً عائلياً ومصدر الدخل الوحيد الذي يعيل أسرته".
ويستعيد النجار، تفاصيل اليوم الذي تعرض به للإصابة قائلاً: “خلال وقف إطلاق النار عام 2025 اعتقدنا أن البحر سيفتح أمامنا، فنزلنا بقوارب بدائية قرب الشاطئ، لكننا فوجئنا بإطلاق النار والقذائف علينا، وأصبت خلال ذلك”.
ورغم الخطر، يواصل النجار مع عدد قليل من الصيادين النزول إلى البحر بقوارب صغيرة وبدائية تعتمد على المجهود العضلي، وفي مساحة لا تتجاوز كيلومتراً واحداً.
ويُكمل: "البحر هو المتنفس الوحيد لقطاع غزة وللصيادين، وقبل الحرب كنا نصدر الأسماك إلى الخارج، أما اليوم فنطالب فقط بحقنا في العودة إلى البحر".
وفي ختام حديثه، وجه النجار، رسالة إلى المجتمع الدولي، دعا فيها إلى العمل على فتح البحر أمام الصيادين، وتوفير مستلزمات الصيد الأساسية، بما يشمل الشباك والخشب والمعدات اللازمة لإصلاح القوارب ومواصلة العمل، مؤكداً على أن إنقاذ قطاع الصيد يعني حماية مصدر رزق آلاف العائلات في غزة.
أرقام وإحصائيات
أكد مسؤول اتحاد لجان الصيادين بغزة، زكريا بكر، على أنّ أوضاع الصيادين لم تشهد أي تحسن منذ بدء الحرب، مشيرًا إلى أن البحر لا يزال مغلقًا أمامهم، فيما تتواصل عمليات إطلاق النار والاستهداف والاعتقال بحق الصيادين رغم وقف إطلاق النار.
وقال بكر، في حديثٍ خاص لوكالة "خبر": "إنّ لجان الصيادين تواصل بشكل يومي التواصل مع النقابات والمؤسسات الحقوقية والدولية، إلى جانب مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، من أجل عرض معاناة الصيادين، إلا أن تلك الجهود لم تحقق أي نتائج حتى الآن بسبب التعنت الإسرائيلي".
وأشار إلى أنّ اللجان وثقت منذ بداية الحرب مقتل أكثر من 233 صيادًا، بينهم نحو 70 صيادًا استشهدوا أثناء محاولتهم ممارسة مهنة الصيد، إضافة إلى إصابة ما يقارب 130 صيادًا، واعتقال نحو 120 آخرين، فيما لا يزال أكثر من 30 صيادًا رهن الاعتقال في سجون الاحتلال.
وأضاف بكر: "أنّ إعلان وقف إطلاق النار لم يغيّر شيئاً في واقع الصيادين، فالبحر ما يزال مغلقاً، وإطلاق النار مستمر، فيما انخفضت عمليات القتل مقارنة بفترة الحرب، لكن الاعتقالات ازدادت. "
ونوه إلى أنّ هناك عددًا محدودًا من الصيادين يخاطرون بحياتهم باستخدام قوارب صغيرة تتحرك يدويًا للصيد في مساحة لا تتجاوز كيلومترًا واحدًا، ومع ذلك يتعرضون لإطلاق النار والاعتقال ومصادرة أو تدمير قواربهم.
وبشأن الجانب الاقتصادي، قدّر بكر، خسائر قطاع الصيد بأكثر من 90 مليون دولار نتيجة تدمير مراكب الصيد ومعداته، مؤكدًا على أنّ القطاع فقد أكثر من 95% من مقوماته، ما أدى إلى توقف أكثر من 4 آلاف صياد عن العمل بعد تدمير مصادر رزقهم وإغلاق البحر بشكل كامل.
وتابع: "إنّ الاحتلال يواصل ارتكاب انتهاكات بحق الصيادين، أبرزها حرمانهم من الوصول إلى البحر منذ بداية الحرب، وهو ما اعتبره "أطول فترة منع في التاريخ بحق صيادين مدنيين"، إلى جانب عمليات الاستهداف اليومية التي تسفر عن شهداء وجرحى ومعتقلين.
وأوضح أنّ الإنتاج السمكي شهد تراجعًا غير مسبوق، إذ كان يتراوح قبل الحرب ما بين 15 و20 طنًا يوميًا رغم القيود المفروضة آنذاك، بينما لا يتجاوز حاليًا من 10 إلى 15 طنًا شهريًا، الأمر الذي يعكس حجم الانهيار الذي أصاب قطاع الصيد في غزة.
ودعا بكر، المجتمع الدولي إلى فتح البحر أمام الصيادين والسماح لهم بالعمل ضمن مساحات آمنة، وتعويضهم عن الخسائر الكبيرة التي لحقت بهم، وفتح المعابر لإدخال مراكب ومعدات الصيد، وتبني أسر الشهداء والمعتقلين، إلى جانب تحييد قطاع الصيد المدني عن أي تجاذبات سياسية، بما يضمن استئناف عمل الصيادين وتأمين مصدر رزقهم.
وبين بحرٍ يراه الصيادون كل يوم ولا يستطيعون الوصول إليه، وقواربٍ تحولت إلى حطام، يبقى آلاف الصيادين في غزة عالقين بين انتظار فتح البحر، وانتظار أن يعود الرزق الذي ورثوه عن آبائهم، ولم يتخلوا عنه رغم كل ما فقدوه.