نشرت في 10 يوليو 2026 10:58 ص
https://khbrpress.ps/post/432422
في السياسة، لا تُقاس الانتصارات بما تحققه القوة في لحظة الصراع، بل بما تؤسسه في حركة التاريخ. فالتاريخ ليس سجلًا للوقائع العسكرية فحسب، وإنما هو فضاءٌ تتصارع فيه الإرادات، وتتنازع داخله الشرعيات، وتتجدد فيه معاني الوجود والهوية.
من هذا المنطلق، تبدو القضية الفلسطينية أكثر من نزاع على الأرض؛ إنها سؤال فلسفي عن الحق، وسؤال سياسي عن العدالة، وسؤال تاريخي عن قدرة الإنسان على حماية ذاكرته من محاولات الإلغاء. ولذلك فإن حضور فلسطين في الوعي الجمعي لا يُختزل في حدود الجغرافيا، بل يمتد إلى كونها رمزًا لحق الشعوب في تقرير مصيرها.
إن المشروع الصهيوني، بوصفه مشروعًا سياسيًا، يسعى إلى ترسيخ وجوده واستدامة شرعيته. غير أن أي مشروع تاريخي يظل في مواجهة دائمة مع اختبار الشرعية، لأن القوة قد تمنح السيطرة، لكنها لا تمنح بالضرورة الاعتراف الأخلاقي أو الاستقرار التاريخي. وهنا تتجلى المفارقة؛ فكلما استمر الفلسطيني في الدفاع عن هويته وحقوقه الوطنية، بقيت القضية حاضرة، وبقي الجدل حول مستقبل المنطقة مفتوحًا.
إن الصراع، في جوهره، ليس صراعًا بين وجودين بيولوجيين، بل بين رؤيتين للتاريخ: رؤية ترى أن القوة تصنع الحق، ورؤية تؤمن بأن الحق، مهما تعرض للإنكار، يمتلك قدرة على الاستمرار في الوعي الإنساني. ومن هنا، فإن الذاكرة الفلسطينية ليست مجرد استدعاء للماضي، وإنما فعل مقاومة ضد النسيان، وإصرار على أن التاريخ لا يُكتب من منظور المنتصر وحده.
ولذلك، فإن الحديث عن النصر والهزيمة ينبغي أن يتجاوز الحسابات الآنية. فقد يحقق طرفٌ مكاسب سياسية أو عسكرية، لكنه يبقى أمام سؤال التاريخ: هل استطاع أن ينهي أسباب الصراع، أم أنه أعاد إنتاجها في صورة جديدة؟ فالنصر الذي لا يفضي إلى عدالة يبقى نصرًا ناقصًا، والهزيمة التي تُبقي الوعي حيًا قد تتحول إلى بداية مرحلة جديدة من الفعل التاريخي.
إن فلسطين، بهذا المعنى، ليست حدثًا عابرًا في السياسة الدولية، بل قضية تكشف حدود القوة حين تنفصل عن العدالة، وحدود السياسة حين تتجاهل الحقوق. ولذلك سيظل مستقبل المنطقة مرتبطًا بقدرة الجميع على بناء سلام يقوم على الاعتراف المتبادل بالكرامة الإنسانية والحقوق المشروعة، لأن التاريخ، في نهاية المطاف، لا يخلّد القوة وحدها، بل يختبر أيضًا عدالتها.