نشرت في 17 فبراير 2026 10:08 ص
https://khbrpress.ps/post/426760
تبدو مغارة علي بابا مجازاً مثالياً لتفسير مسألة إبستين. تُضفي تسمية المسألة على ما يُختزل في تعبير الفضيحة دلالات أبعد وأعقد. فالمسألة لا تقتصر على الجنس والسياسة والمال، ولا تنحصر في أميركا، بل هي هذا كله، وما قد ينجم عنه من مُخرجات جديدة وفريدة. وهي، بهذا المعنى، فضيحة العالم، أيضاً.
تعبير المغارة مفيد في ترجيح كفة المسألة. فالمغارة هي المكان الخفي البعيد، الذي يُراد له أن يكون محجوباً عن الأعين، ومسكوناً بالأسرار. هي غاية المستكشفين وملاذ اللصوص. وكما نعثر في «علي بابا والأربعين حرامي» على ما يؤثث البيئة الاجتماعية والسياسية للعصرَين العباسي والمملوكي من لغة ودلالات وخيال، فإن في وسعنا العثور في مسألة إبستين على ما يؤثث البيئة الاجتماعية والسياسية للربع الأوّل من عالم القرن الحادي والعشرين من لغة ودلالات وخيال.
وكما سبق وقلنا: إن مسألة إبستين تفسّر رئاسة ترامب، لا العكس، يمكن القول: إن المسألة نفسها تُفسّر العقود الثلاثة الأولى في هذا القرن، لا العكس. هذا موضوع بالغ التعقيد ويستحيل القبض على كافة دلالاته، أو استكشاف أبعاده بالقدر الكافي، قبل توفّر المعطيات. وهذا لن يحدث في وقت قريب. وقد لا يحدث أبداً.
لذا، لِمَ لا نُفكّر في جراحات مقطعية، ونُسلّطُ الضوء، في جولة، على زوايا بعينها في المغارة؟ ففي الأيام القليلة الماضية، مثلاً، نالت علاقة إبستين بأشخاص من الشرق الأوسط قدراً واضحاً من الاهتمام. وكالعادة، اقتصر الاهتمام، بدرجات متفاوتة من التأويل والتهويل والتحليل، في وسائل إعلام رسمية، وشعبية، على الفضائحي، والأخلاقي، والمثير، والمريب، والغريب، والعجيب. وكلها مفردات طبيعية في الحكاية الكلاسيكية لمغارة على بابا، وتجلياتها الجديدة في مغارة إبستين: ثلاثة ملايين وثيقة «تحت الأنظار»، وثلاثة ملايين في الانتظار.
ولكيلا يفلت خيط هذه المعالجة من أيدينا، وبقدر ما يتعلّق الأمر بالجراحة المقطعية، فلنقل: إن مسألة إبستين (وما شاع مِنْ، وعن، علاقاته الخاصة جداً مع أشخاص في الشرق الأوسط) قد تفسّر تحوّلات كثيرة، منها «سلام إبراهيم» بالتأكيد. وأزعم أنها تضفي دلالات سياسية وسوسيولوجية على تعبيرات «كالإبراهيمية» لم تستقر بعد في معجم، وأدبيات، السياسة العربية. والأسوأ أن البعض يلصقها بديانة متوّهمة يعتقد أنها قيد التشكيل.
نعثر على نقطة البداية، في هذا الشأن، في جملة وردت بمقابلة مع الطيار الخاص لإبستين، الذي روى جملة سمعها في حوار بين شخصين يجلسان في مقعدين متقابلين بالطائرة، ويقول أحدها للآخر: «ما يجمع بيننا هنا، أكثر مما يفرقنا هناك». هذه العبارة مثيرة جداً في نظر الطيّار لأن الرجلين ينتميان إلى بلدين يعادي كلاهما الآخر، ولا يمكن أن يجلسا علانية، بهذا القدر من الود والعفوية، في مكان آخر.
لم يذكر الطيار معلومات إضافية عن هوية الرجلين، وعن بلديهما. وكلاهما سواء الهوية، أو البلد، قليل الأهمية لغرض هذا التحليل. وهذا يصدق، أيضاً على «ما يفرقنا هناك». ما ينبغي أن يكون محط اهتمام هو «ما يجمع بيننا»، فما الذي جمع بين رجلين في طائرة إبستين رغم أن «ثمة ما يفرّقهما هناك»؟ هذا هو السؤال/المفتاح.
وبما أن الجنس والسياسة والمال مكوّنات لا غنى عنها في كل ما يتصّل بمسألة إبستين، فلا ينبغي استبعاد أن تكون مجتمعة هي ما جمع بين الرجلين. ومع ذلك، فهذه إجابة ناقصة. قد يكون الجنس مسألة فردية، ولكن للسياسة والمال دلالات تتجاوز الشخصي، بالمعنى الضيق للكلمة، ولكليهما روافع ومرجعيات وثيقة الصلة بمصالح طبقية، ورهانات وسياسات نخب مُهيمنة وحاكمة، خاصة في الشرق الأوسط، حيث لا يملك «رجل الأعمال» إمكانية، أو الحق في، إشباع مصالح شخصية، فرضتها قوانين السوق، بمعزل عن «الدولة»، وهو من نخبتها، وحليف حكّامها، شريكهم، أو قناعهم، في حالات كثيرة.
لذا، لا أهمية، ولا قيمة، للبحث في، وعن، هوية الرجلين في الطائرة. فالمفتاح في المصالح الطبقية، والرهانات والسياسات، التي تدفع نخبة حاكمة، أو شريحة فاعلة في نخبة حاكمة، إلى ترجمة المصالح بطريقة تتجاوز العداوات. وهذا لن يكون مفهوماً دون العثور على الإطار التفسيري العام (التعبير الأقرب، دائماً، إلى قلب طيب الذكر عبد الوهاب المسيري). وعماد إطارنا التفسيري هو عولمة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وانفتاح وتداخل الأسواق، وإعادة هيكلة العالم استناداً إلى فرضية أن الرأسمالية قد حققت انتصارها الحاسم والنهائي والأخير.
لسنا، هنا، بصدد تحليل الحرب الباردة، بل التذكير بحقيقة أن نتيجة الحرب، كما في كل حرب، تمثّلت في وجود مهزومين، يسددون الفواتير، ومُنتصرين يحصون الغنائم. كان منتجو النفط في شبه الجزيرة العربية، والخليج، وهم حلفاء تقليديون للولايات المتحدة، في عداد المنتصرين.
والمهم أن إعادة هيكلة الأسواق، وعلاقات التبعية والمنافع المتبادلة، معطوفة على موارد مالية هائلة مرشحة لاستثمارات أسطورية في الداخل والخارج، أتاحت لهؤلاء فرصة الانخراط في نخبة جديدة معولمة قيد التشكيل. وكانت العقبة الرئيسة، في هذا الشأن، هي الموقف من إسرائيل. فالعلاقة معها تفتح الأبواب، والعداء لها قد يُغلقها، أو يكون باهظ التكاليف.
كان إبستين، في هذا الإطار التفسيري العام، حاجة موضوعية خلقتها الحاجة، لا عبقرية الشر. ومع وجود ترامب في البيت الأبيض، ولأسباب لا يتسع المجال لتفصيلها، كان لا بد من قطع المتر الأخير، من طائرة إبستين إلى حديقة البيت الأبيض للتوقيع على اتفاقات إبراهيم. فاصل ونواصل.