نشرت في 01 مارس 2026 10:43 ص
https://khbrpress.ps/post/427205
اشتعلت الحرب التي كانت متوقعة لمن يعرفون الإستراتيجيات الإسرائيلية الكبرى وخصوصاً عندما يقف على رأسها شخص مثل بنيامين نتنياهو، فهو لم يتوقف طوال حياته عن التحريض ضد إيران في الإعلام والمؤسسات الدولية وخطابه السنوي في الأمم المتحدة وهو يحمل وسائل إيضاح للرؤساء مثل مدرس يشرح لتلاميذه عن خطورة النظام الإيراني على التاريخ.
قبل شهر ونصف عندما كان المتظاهرون الإيرانيون يملؤون الشوارع تم اتخاذ قرار الحرب، لكن عمق الحسابات حينها وكانت إسرائيلية بامتياز كان يقول إن ما هو موجود في المنطقة من قوة أميركية تكفي لضربة أو ضربات لكنها لا تكفي لحرب كبيرة تسقط النظام وتحقيق الحلم التاريخي لرئيس وزراء إسرائيل الذي يعتبر أن الله استدعاه «لإنقاذ الهيكل الثالث من التدمير».
لم يكن أي من المتابعين يعتقد أن هذه الحرب التي بدأت في غزة لن تنتهي في طهران، ففي أول مكالمة بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين وبنيامين نتنياهو في أول الحرب قال نتنياهو عن السابع من أكتوبر: «هذه الضربة جاءتنا من إيران، وإيران ستدفع الثمن».
كان الأمر مجرد وقت بالنسبة لإسرائيل التي ذهبت للحرب في حزيران الماضي لكنها اكتشفت أنها لم تكن جاهزة بما يكفي سواء بمنظومة الدفاعات الجوية التي لم تستطع منع الصواريخ الإيرانية من الوصول لأماكن حساسة، أو لحاجتها لهدنة لجهة نقل أصول استراتيجية وقد انتهت من ذلك مستفيدة من ثغرات حرب حزيران.
لم يكن أي من المتخصصين في الشأن الإسرائيلي يعتقد بأن المفاوضات التي تديرها واشنطن مع طهران ستؤدي إلى اتفاق يُبقي النظام في إيران ويرفع عنه الحصار ويتسبب بالإفراج عن مليارات مجمدة، فهذا يعتبر هزيمة كبيرة لإسرائيل التي عملت لسنوات طويلة على تحريض العالم على الإطاحة بالنظام بعد أن فشل الحصار الطويل في تحقيق ذلك.
ولم تكن الزيارة الخاطفة والمفاجئة التي قام بها بنيامين نتنياهو إلى واشنطن قبل ثلاثة أسابيع سوى لمواصلة التنسيق وقطع الطريق على أي اتفاق والاطلاع على خطط الحرب.
لقد هيأ السابع من أكتوبر كل المُناخات اللازمة لإسرائيل لتحقيق حلمها والذهاب إلى واحد من مستحيلات المنطقة بإشعال حرب بهذا الحجم.
فقد أقنعت العالم بأن السابع من أكتوبر تم بتخطيط وتمويل وإشراف إيراني وبدأت تتحرك باسم الضربة التي تلقتها بعد أن نفد في السنوات الأخيرة رصيد استخدام الهولوكوست النازي ليتوفر لها رصيد جدي يسمح لها بضرب ما تشاء ومن تشاء دون اعتراض من العالم.
ولسوء حظ المحور الذي تقوده طهران كان أيضاً من تداعيات السابع من أكتوبر كما جاء في تقرير للحزب الديمقراطي الأميركي بأن واحداً من أهم أسباب سقوط مرشحة الديمقراطيين كان حرب غزة ليكون من إحدى نتائج الضربة التي بدأتها حماس فوز ترامب الذي يعتبر الذراع الضاربة لنتنياهو ليحقق له تلك الإستراتيجيات الكبرى.
وقد تم تصنيف إيران منذ عقود كخطر وجودي وهذا النوع من الأخطار لا بد من إزالته.
وفي لحظة تاريخية نضجت فيها كل الظروف اللازمة التي لن تتكرر ولا يمكن تفويتها كان من الطبيعي أن تكون الحرب السيناريو الوحيد.
هذا عام الانتخابات الكلية في إسرائيل والنصفية في الولايات المتحدة، وكل من الشريكين لديهما ذعر كبير من الخسارة التي تلوح في الأفق، فخسارة ترامب تعني بدء مجلس الشيوخ بعملية عزل ترامب، ففوز الديمقراطيين مع العدد المتزايد من الجمهوريين المصاب بالخزي من قضايا أبستين ومن أداء الرئيس.
أما بالنسبة لنتنياهو فهو يعني ربما السجن مع إنهاء حياته السياسية محملاً بعار السابع من أكتوبر وهو الذي كان يريد دخول التاريخ كبطل وفي هذا ما يزيد من مصلحة الثنائي بالذهاب بعيداً إلى الحد الذي يحلم نتنياهو بخطف المرشد الإيراني ومحاكمته في تل أبيب كورقة ذهبية يذهب بها للانتخابات، وترامب يعتقد أن في ذلك ما يقنع المواطن الأميركي والممول من اللوبي اليهودي بجدارة الاستفتاء الانتخابي لصالح ترامب.
واضح أن الحرب بدأت كبيرة منذ ساعاتها الأولى، فالضربات على إيران غطت مساحة الدولة، وكل قيادات الدولة كانت هدفاً لها مدنية وعسكرية، وعلى الجانب الآخر وسعت إيران ضرباتها لتشمل عواصم عربية وسط استغراب المراقبين من الإسراع باستباحة عواصم محايدة قامت بدور عربات إطفاء خلال الأسابيع الماضية تسارع طهران بكسب عدائها، لكن الأمر يعكس أننا أمام حرب صعبة، فمن ناحية إيران هي حرب الدفاع عن الوجود «وجود النظام» وأن هناك قراراً نهائياً بالقضاء عليه لذا سيدافع عن نفسه بكل الطرق وبكل الوسائل حتى النهاية وبلا خطوط حمراء، وبالنسبة لنتنياهو هي الحرب التي لا يمكن التراجع عنها دون إسقاط النظام ومن هنا تكمن صعوبتها بأن معادلتها صفرية، وليس من المتوقع أن نشهد وقفاً قريباً أو اتفاقاً يمكن أن يوقفها فالأمر تجاوز ذلك والبداية ليست متواضعة.
كعادته كان ترامب في خطابه الأول واضحاً بالطلب من شعب إيران الاستعداد لتسلم الدولة، أي أن هدف الحرب هو إسقاط النظام في تلك البلاد المترامية.
ولكن الأمر ليس بتلك السهولة فالإسلاميون لا يستسلمون «تجربة غزة نموذجاً» والضربات الجوية لا تسقط نظاماً ومساحة الدولة ذات المليون وستمائة وخمسين ألف كيلومتر أكبر من اجتياحها، وليس هناك سوى المراهنة على الشارع الإيراني فهل هذا السيناريو مضمون نجاحه قبل انتخابات الثنائي؟.