نشرت في 08 فبراير 2026 10:53 ص
https://khbrpress.ps/post/426413
لم تمتلك حركة حماس الحد الأدنى من الشجاعة حتى تعتذر عن سوء إدارتها للشأن الفلسطيني في غزة، وما جلبه ذلك من مساس بالحالة الفلسطينية عموماً. تصريحات قادة «حماس» وحليفتها «الجهاد» بعد 28 شهراً من الحرب تثير الشفقة خاصة عندما يستنجدون بالعالم حتى يجبر إسرائيل على الالتزام بالخط الأصفر (تخيلوا) وبوقف إطلاق النار، ويمتدحون الرئيس الأميركي دونالد ترامب بوصفه صانع السلام الذي عليه أن يواصل جهوده من أجل الضغط على إسرائيل. وبدلاً من التوجه للشعب للاعتذار عن التلاعب بمصيره وأمنه وأحلامه من اجل «مغامرات» حزبية ضيقة يتم التمادي في «تفخيم» منجز لم يتم إنجازه، وانتصار لم يتم تحقيقه، وحشر للعدو في زاوية لا وجود لها من الأساس. والأسوأ من ذلك أن تلك التصريحات تشكل استخفافاً بعقول الناس وبمشاعرهم وآلامهم على وزن أن استشهاد عشرات الآلاف مجرد خسائر تكتيكية وأن تفجير دبابة ومقتل جندي إسرائيلي أهم وأكثر قيمة من استشهاد مائة فلسطيني. أعتقد أن «حماس» وحلفاءها مطالبون أيضاً بالاعتذار عن هذا الاستخفاف وأن جزءاً من مساءلة «حماس» وحلفائها بجانب المغامرة وسوء إدارة الشأن العام والمصير الجمعي لنا في غزة يجب أن تكون على هذا الاستخفاف الذي يشكل نوعاً من نكران الواقع (هل هذا مرض؟) أو من ابتداع الوهم؛ وهذا لا بد أن يكون مرضاً أيضاً. ولعل أكثر شخص «حماس» بحاجة للتوجه له والاعتذار له هو الرئيس محمود عباس لجملة أسباب كثيرة، لعل أكثرها وضوحاً كيف تسطو «حماس» الآن على نهجه وتعيد صياغة عباراته ومقولاته قاصدة نفس المعنى ولكن بعد خراب مالطا كما يقول المثل، مع الفارق الكبير في المقاصد والأهداف.
حين يقول أبو مازن، إنه مع ضبط المقاومة وترشيدها واللجوء للمقاومة الشعبية فهو لا يقصد إسقاط حق الشعب الفلسطيني في المقاومة، بل يفاضل بين أنواع تلك المقاومة لفحص المفيد منها والأكثر مجلبة للنفع ودرءاً للضرر. فالرصاصة التي تقتل جندياً من العدو وتهدم مدينة لا يمكن أن تكون رصاصة مقاومة بل رصاصة مقامرة أو مغامرة. والبندقية غير المسيسة، بمعنى التي بلا هدف وغاية، هي بندقية قاطعة للطريق، بمعنى أنها تضر بالأهداف والغايات العليا. وحين قال أبو مازن عن الصواريخ، إنها عبثية، وهي عبارة رددتها «حماس» مئات المرات بعد ذلك، كان يقصد أن الشيء الذي لا يحقق الغاية منه لا غاية فيه، فالصواريخ التي تطلق من أجل أن يقال، أطلقنا صواريخ، هي بالضبط تطلق على الشعب وعلى مشروعه الوطني. ولعل في تصريحات قادة «حماس» عبر العقود الثلاثة الماضية ما أثبت ذلك. وحين يقول الرئيس، «دولة واحدة وسلاح واحد»، فإن القصد أن يكون ثمة غاية واحدة للسلاح، لا أن يقوم كل تنظيم وكل فصيل بوضع استراتيجية وطنية خاصة به ويقوم بإعادة تعريف النضال الوطني وفق أيديولوجيته الخاصة وبما يتوافق مع «الممول» الخارجي راعي هذه «المقاومة» الحزبية. هذا مربط الفرس، فالحالة الوطنية حالة متكاملة لا يمكن تجزئتها وفق البرامج الحزبية. كان يجب أن تقول (حماس)، «آسفين يا ريس» على الطريقة المصرية.
ولأن «حماس» والتيار الإسلاموي المسيس بمكوناته وافدون جدد على ساحة النضال والكفاح من أجل استعادة البلاد إذ كانوا يحرمون ذلك حتى بعد مرور أربعة عقود على النكبة وضياع فلسطين، فإن مفاهيمها تظل في مرحلة
«الخداج»، دون أن ترى التحولات والتغيرات التي حدثت في الساحة الوطنية والإقليمية والدولية، لذا كانت تصر دائماً على سحب الشعب الفلسطيني بقضه وقضيضه لنقطة الصفر، تجرب فيه كل فكرة تخطر على بالها، غير آبهة بالخبرات الوطنية التي تراكمت عبر العقود من الكفاح المستمر الذي لم يتوقف، بل تطور وتجدد. وفعلت مثل طفل أمسك بعلبة الثقاب فحرق القرية. ومع ذلك فلا أحد بحاجة الآن لاعتذار «حماس» لأنه سبق السيف العذل بالعربية أو أن «الحصان اجتاز أسكدار» كما يقول الأتراك (أظن الأخير عنوان مجموعة شعرية لزكريا محمد صدرت عن وزارة الثقافة)، وفي الحالتين فعلت «حماس» بالشعب ما فعلت.
حتى اتفاق أوسلو الذي عابته «حماس»، صار السقف الذي لا يمكن أن تصل له في مفاوضاتها المذلة مع إدارة ترامب ومكتب نتنياهو، وإن أصرت أن ذلك يتم من خلف حجاب. ومع ذلك فالرئيسيان أبو عمار وأبو مازن توقفا عن التفاوض حين أدركا أن أي مفاوضات ستعني المساس بالحقوق الوطنية. ياسر عرفات ضرب عرض الحائط بكل ما قدم له في كامب ديفيد طالما مس الأمر قضية اللاجئين وقضية القدس، فيما قبر أبو مازن حلم ترامب وصفقة قرنه ودفنها في وقت بدا أن كل الإقليم ذاهب إليها راضياً. فجأة، وجد المحيط في «عناد» أبو مازن ملجأ يحتمون به من غضب ترامب. لم يمتلك ياسر عرفات ولا محمود عباس سلاحاً نووياً، كما لم يقدم أي منهما استعراضاً هشاً للعضلات ولا خطبا خطبة عصماء أمام جماهير معصوبة العيون. كل ما في الأمر أن ثمة حقا لا يضيع وكما قال أبو مازن ذات مساء على منبر الأمم المتحدة، «بدي حقي». وهذا جوهر الصمود الذي لا يكون على حساب الناس وفوق أجسادهم بل في العربة الأولى.
«حماس» ما زالت تواصل عبثها بالمستقبل الفلسطيني حتى بعد أن جلبت لنا «وصاية أميركية» و»مندوب سامي» جديدا وزادت خطوط هزائمنا خطاً آخر؛ الخط الأصفر. ومع ذلك، تكابر وتصر أن شيئاً لم يحدث وأن هذه بشائر انتصار لا يراه إلا الثقاة الراضية قلوبهم. هذا الانتصار عنوانه إصرار ترامب على أن تقوم «حماس» بما تعهدت به، أي نزع سلاحها. وترامب يقول صراحة، إن «حماس» تعهدت بذلك ووقعت عليه. وحتى اللحظة لم يخرج علينا أي مسؤول من «حماس» ليكّذب ترامب ويضع «حصوة في عينه» ويقول، إننا لم نتعهد بذلك ولم نوقع عليه، على الأقل يقوم بنشر ما وقعوا عليه. وربما دون ذلك، أي نشر الوثيقة التي وقعت عليها «حماس»، قطع الرقاب لأن ما تم التوقيع عليه أشد وطأة. تخيلوا لو قام مسؤول من السلطة أو ناطق باسم الرئاسة أو «فتح» بالطلب من «حماس» تسليم السلاح من أجل المصلحة العامة مثلاً، ستنفتح عليه نار جهنم ويتهم بأبشع ما في لسان العرب من كلمات التخوين والتعهير والتكفير، أما كيف يقولها ترامب؟ لا تسألوا فمن حق ترامب أن يسأل ويطلب ويأمر، ببساطة لأن غاية «حماس» الآن أن يرضى وأن يضغط على دولة الاحتلال حتى تلتزم بما قرره.