نشرت في 10 أكتوبر 2026 12:00 ص
https://khbrpress.ps/post/436319
نعيش في زمن لم يعد فيه الإنسان بحاجة إلى منبر كي يتحدث؛ يكفي هاتف واتصال بالإنترنت ليصل صوته إلى آلاف الأشخاص. ومع ذلك، يبدو أننا نعيش مفارقة غريبة: كلما ازدادت قدرتنا على الكلام، قلّت قدرتنا على الإصغاء.
الجميع يريد أن يُسمع، لكن قليلين يدخلون الحوار وهم مستعدون فعلًا لفهم الآخر. نختلف على فكرة، فنحوّل الاختلاف إلى خصومة، ونناقش موقفًا فنشعر أن علينا الانتصار بدل أن نحاول الفهم.
الإنصات لا يعني الموافقة. يمكن أن أسمعك وأختلف معك، وأن أفهم تجربتك دون أن أتبنى رأيك. وهذه المسافة بين الفهم والموافقة هي إحدى أهم علامات النضج.
المشكلة أن منصات التواصل عززت أحيانًا ثقافة الرد السريع والحكم السريع. نقرأ جملة فنكوّن موقفًا، ونرى مقطعًا فنصدر حكمًا، وننسى أن خلف كل رأي تجربة، وخلف كل موقف إنسانًا لا نعرف كامل حكايته.
حتى الإعلام، الذي يفترض أن يكون مساحة لفهم المجتمع، يواجه هذا التحدي. لم تعد السرعة وحدها معيارًا للنجاح؛ فالمعلومة غير المتحققة قد تنتشر في ثوانٍ، وتصحيحها قد يحتاج إلى وقت طويل. لذلك يصبح دور الإعلامي أكبر من نقل ما يحدث؛ عليه أن يعرف كيف يستمع، وكيف يتحقق، وكيف يمنح القضايا والناس حقهم في السياق.
ومع دخول الذكاء الاصطناعي بقوة إلى صناعة المحتوى، ستصبح قدرتنا على إنتاج الكلام والصور والأصوات أكبر بكثير. لكن التكنولوجيا، مهما تطورت، لن تستطيع أن تمنح الإنسان حس المسؤولية وحدها.
السؤال الأهم في المستقبل ربما لن يكون: كم نستطيع أن نقول؟
بل: هل ما زلنا نعرف كيف نسمع؟
لأن المجتمعات لا تتقدم حين تتطابق أصواتها، بل حين تستطيع أن تدير اختلافها بوعي، وتحمي كرامة أفرادها، وتمنح لكل صوت فرصة لأن يُفهم قبل أن يُحكم عليه.
وفي عالم يزداد ضجيجًا كل يوم، قد يصبح الإصغاء شكلًا من أشكال القوة.
وربما نحتاج أحيانًا إلى جملة بسيطة أكثر من أي خطاب طويل:
«حدثني… أريد أن أفهم.