كتب اسماعيل الريماوي

حين يصل العيد متعباً إلى فلسطين

نشرت في 28 مايو 2026 10:05 ص

كتب اسماعيل الريماوي

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/430790

 يهبط العيد من جديد، لكنّه حين يصل إلى فلسطين يبدو كغريبٍ يبحث عن مكانه فلا يجده، لا أبواب تُفتح على اتساعها للفرح، ولا موائد تكتمل حولها العائلات، ولا شوارع تفيض بالحياة كما كانت تفعل الأعياد حين كانت الحياة أقل قسوة.

في غزة، يصل العيد متعباً، كأنّه عبر حقولاً طويلة من الدخان والخراب قبل أن يصل، يمرّ فوق مدنٍ أنهكها القصف، ويتسلّل بين الخيام التي أصبحت بديلاً عن البيوت، ويقف طويلاً أمام أمّ تحاول أن تخفي دموعها كي لا يرى أطفالها حجم الانكسار في عينيها.
هناك، لم يعد الناس يسألون ماذا سيشترون للعيد، بل ماذا تبقّى لهم من قدرة على الاحتمال، لم تعد الأمنيات كبيرة؛ قليل من الماء، بعض الطعام، ليلة هادئة بلا خوف، خبر يطمئن القلب، أو صباح لا يحمل معه فاجعة جديدة.
في غزة، تغيّرت اللغة نفسها، صار الأطفال يعرفون معنى الفقد أكثر مما يعرفون معنى اللعب، وصار الانتظار جزءاً من تفاصيل اليوم؛ انتظار المساعدات، انتظار الكهرباء، انتظار هدنة لا تأتي، أو انتظار شخص خرج ولم يعد.

العيد الذي كان يحمل رائحة الخبز الساخن، وصوت التكبيرات، وضحكات الصغار وهم يركضون في الأزقة، صار يمرّ حاملاً وجهاً آخر؛ وجهاً مثقلاً بالغياب، وبأماكن لم تعد تشبه نفسها، وبحياة توقفت فجأة ثم أُجبرت على أن تستمر.
وفي الضفة الغربية، يبدو المشهد وكأنه يحمل وجهاً آخر للوجع ذاته، الأرض تضيق أكثر، والحواجز لا تفصل الطرق فقط، بل تفصل إيقاع الحياة نفسه، قرى تنام على خوفٍ دائم، ومدن تستيقظ كل يوم على واقع أكثر تعقيداً، واستيطان يتمدد كأنه يحاول أن يعيد رسم الجغرافيا بالقوة.
هناك أيضاً، يمر العيد فوق بيوت أثقلها الضيق الاقتصادي، فوق شباب يطاردون فرصة عمل وسط انسداد الأفق، فوق عائلات تحسب تفاصيل أيامها بحذر، بعدما صار الغلاء والبطالة والعوز جزءاً من المشهد اليومي.

في فلسطين، لم يعد التعب حدثاً عابراً، بل صار جزءاً من الزمن نفسه، سنوات طويلة من الحصار، والحروب، والمواجهات، والانتظار، صنعت جيلاً كاملاً يعرف كيف يبتسم رغم الخسارات، وكيف يتمسك بالحياة حتى عندما تبدو الحياة بعيدة.
ورغم كل ما يحدث، لا يسقط الفلسطيني بالكامل، شيء ما يبقى حيّاً داخله دائماً؛ قدرة غامضة على الوقوف من جديد، على ترميم الروح كلما تصدعت، وعلى حماية ما تبقى من المعنى وسط كل هذا الخراب.
يأتي العيد مرة أخرى إلى فلسطين، لكنّه يصل هذه المرة محمّلاً بأسئلة ثقيلة: كم يحتاج الإنسان من الألم حتى يتعب؟ وكم تحتاج الشعوب من الصبر حتى تصل إلى حياة تشبه البشر؟
ومع ذلك، تبقى فلسطين، بكل جراحها، تحاول أن تحرس ما تبقى من الضوء، وأن تزرع في قلب العتمة يقيناً واحداً: أن الأوطان التي دفعت كل هذا الثمن من الألم، لا يمكن أن تبقى معلقة إلى الأبد بين الحصار والانتظار.