رسالة فصل عبر البريد الإلكتروني.. كيف تحوّلت حياة 70 موظفًا في "الأونروا" إلى المجهول؟

نشرت في 21 يونيو 2026 01:14 م

محمود غانم - غزة - وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431753

لم يكُنّ يتوقع المعلم محمود سمور أن تبدأ تلك اللحظة العادية أمام شاشة جواله بخبر يقلب حياته رأسًا على عقب بعدما فتح بريده الإلكتروني كعادته، ليتفاجأ برسالة تحمل قرار فصله من "الأونروا"، المؤسسة التي أمضى فيها ثلاث سنوات من العطاء والعمل والتفاني.

توقف للحظات وهو يقرأ الكلمات مرة تلو الأخرى، غير مصدّق أن مسيرته المهنية في "الأونروا" انتهت برسالة إلكترونية باردة، حيث استعاد في ذهنه سنوات طويلة من العمل والكفاح؛ فقبل التحاقه بالأونروا كان موظفًا حكوميًا لمدة سبع سنوات، لكنه اتخذ قرارًا صعباً آنذاك، واستقال من وظيفته الحكومية أملاً بمستقبل أكثر استقرارًا في الوكالة.

ويُشدد خلال حديثه لـ"خبر" على أنه يعاني من إصابة في العمود الفقري ويحتاج شهريًا إلى ما يُقارب ألف شيقل لتغطية تكاليف أدوية علاج الأعصاب، وقال بأسى: "كنت بالكاد أستطيع توفير نفقات العلاج في ظل الراتب، فكيف سيكون الحال بعد فقدان مصدر دخلي الوحيد؟".

ويعرب عن أمله بأن تتراجع إدارة الوكالة عن القرار الذي اتُخذ بحقهم، معتبرًا أنه قرار باطل وغير قانوني، ولا يستند إلى إجراءات عادلة أو أدلة واضحة أو حتى إخطار مُسبق للموظفين المفصولين.

اليوم، وبعد عشر سنوات من الخدمة بين المؤسسات المختلفة، يجد المعلم محمود نفسه أمام واقع جديد وقاسٍ فقد خسر وظيفته، وأصبح بلا مصدر دخل، يواجه تحديات البطالة وأسئلة المستقبل المجهول، وبينما يحمل في ذاكرته سنوات من الخبرة والعطاء، يبقى الأمل رفيقه في العدول عن قرار الفصل، وأن تفتح له الأيام القادمة بابًا يُعيد إليه الاستقرار والكرامة المهنية التي يستحقها.

من جهته، يُؤكد أمين سر اتحاد الموظفين في "الأونروا"، محمد شويدح، أن قرار الفصل الأخير لم يكن الأول من نوعه، مشيرًا إلى أنه سبقته قرارات فصل طالت نحو 12 موظفًا بالادعاءات ذاتها، إضافة إلى فصل أكثر من 600 موظف بسبب سفرهم إلى خارج القطاع، بينهم من فقد أفراد عائلته بالكامل، واضطر إلى مغادرة غزة لتلقي العلاج.

وحول عدد الموظفين الذين شملهم قرار الفصل التعسفي من "الأونروا"، أوضح شويدح أن قرارات الفصل طالت 70 موظفًا من تخصصات ووظائف مختلفة، بينهم 13 موظفًا استشهدوا خلال الحرب، مشيرًا إلى أن جميع الموظفين الأجانب في الوكالة يواصلون عملهم عن بُعد من خارج البلاد.

وقال شويدح لـ"خبر": "أعمل مديرًا لمدرسة وخدمت في وكالة الغوث لمدة 26 عامًا، وقد تلقيت نبأ الفصل بحزن شديد أسوةً بزملائي الآخرين"، مضيفًا أنه لم يعد يستبعد أي إجراء من إدارة الوكالة، التي سبق لها – بحسب قوله – فصل موظفين أصيبوا خلال الحرب وهم يمرون بأصعب ظروفهم الصحية والإنسانيّة.

ويدعو إدارة الوكالة إلى وقف ما وصفه بالظلم الواقع على الموظفين الذين أفنوا سنوات طويلة في خدمة المؤسسة، مطالبًا بعدم الاستناد إلى الإدعاءات الإسرائيلية، مؤكداً أن إسرائيل هي الجهة التي هجّرت الفلسطينيين من أرضهم عام 1948، وما تزال تستهدف اللاجئين في مراكز الإيواء وتمسّ مقومات حياتهم اليومية.

وفيما يتعلق بالإجراءات القانونية المُزمع اتخاذها لمواجهة قرارات الفصل، يؤكد شويدح أن الموظفين سيلجؤون إلى المسار القانوني، معربًا عن ثقته بإمكانية إبطال هذه القرارات أمام القضاء.

وأوضح أن كتب الفصل نفسها تتضمن، بحسب وصفه، ما يثبت براءة الموظفين، إذ تشير صراحة إلى أن القرارات استندت إلى "ادعاءات إسرائيلية"، كما أن مفوض الوكالة ذكر في تلك الكتب أن الوكالة طلبت أدلة من إسرائيل لكنها لم تتلقَّ أي رد.

وأضاف أن الوكالة تتجاهل القوانين والحقوق الوظيفية الأساسية، وتوجه اتهامات بالانتماء السياسي دون تقديم أدلة تثبت ذلك.

وتابع أن الضغوط المالية التي تتعرض لها الوكالة جعلتها، للأسف، تستجيب لأي ادعاءات تصدر عن إسرائيل، مشيرًا إلى أن المفوض العام بعث رسالة إلى الموظفين عقب قرارات الفصل أوضح فيها أنه طلب أدلة من الجانب الإسرائيلي ولم يحصل على أي رد، متسائلًا: "كيف يمكن اتخاذ قرار فصل بحق موظفين دون توفر أدلة تثبت الاتهامات الموجهة إليهم؟".

وقررت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، إنهاء خدمات 70 من موظفيها في قطاع غزة بناءً على اتهامات قدمتها "إسرائيل" ضدهم دون وجود أدلة.

وقالت الأونروا في تعميم أرسلته لموظفيها موقّع باسم مفوضها العام كريستيان سوندرز، يوم الخميس: "أكتب إليكم لأبلغكم أنه في أعقاب التقييم الأمني الأخير بشأن الادعاءات التي قدمتها إسرائيل ضد بعض موظفي الأونروا في غزة، فقد اتخذتُ قرارا بإنهاء خدمات 70 موظفًا على الفور".

وأشار سوندرز إلى "الأونروا طلبت مرارًا وتكرارًا من السلطات الإسرائيلية تقديم معلومات وأدلة تدعم الادعاءات الموجهة ضد بعض موظفيها، إلا أنها لم تتلقَّ أي رد حتى الآن" وفق قوله، معتبراً أن "هذا القرار ليس إجراءً تأديبيًا ولا يُعدّ إقرارًا بصحة ادعاءات السلطات الإسرائيلية".

وأضاف سوندرز أن "توظيف الموظفين الذين لا تزال تُوجَّه إليهم ادعاءات خطيرة، والإجراءات ذات الصلة التي تتخذها السلطات الإسرائيلية، يُشكّل خطرا متزايدا على موظفي الأونروا الآخرين والمستفيدين والمنشآت والعمليات".

وتابع "لهذا السبب اتخذتُ هذا القرار حرصًا على مصلحة الوكالة، كما هو منصوص عليه في إطارنا القانوني".

يُشار إلى أن هذا القرار يأتي بعد سلسلة تقليصات أقرتها "أونروا" خلال الأشهر والسنوات الأخيرة شملت خفضًا بنسبة 20% من رواتب الموظفين المحليين، وتجميد الترقيات المستحقة، وإلغاء بدل تسوية العملة، إلى جانب إنهاء عقود وفصل مئات الموظفين.