نشرت في 28 أكتوبر 2026 09:14 م
https://khbrpress.ps/post/437187
بقلم .. شذى إسماعيل.
في لحظات التحولات الكبرى، لا تتغير موازين القوى بالقرارات السياسية وحدها، بل تتغير أيضًا طرق التجارة، ومسارات الطاقة، وحسابات الدول الباحثة عن فرص جديدة لتعزيز اقتصاداتها وحماية مصالحها.
وفي ظل التحولات التي تشهدها المنطقة، يعود الموقع الجغرافي لسوريا إلى واجهة النقاش الاقتصادي، بما يمتلكه من إمكانات للربط بين أسواق المنطقة والبحر المتوسط وأوروبا. وهنا يبرز سؤال مهم: كيف يمكن تحويل هذه الميزة الجغرافية إلى فرص استثمارية وتنموية تنعكس إيجابًا على الاقتصاد السوري وحياة المواطنين؟
فالموقع الاستراتيجي ليس مجرد ميزة على الخريطة، بل فرصة يمكن البناء عليها ضمن رؤية اقتصادية متكاملة.
الجغرافيا بوابة للتكامل الاقتصادي:
أعادت الاضطرابات التي طالت طرق الطاقة والتجارة في المنطقة التأكيد على أهمية تنويع مسارات النقل والإمداد، والبحث عن خيارات تعزز أمن التجارة واستمراريتها.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية الموقع السوري بوصفه حلقة وصل محتملة بين العراق والبحر المتوسط، بما يفتح المجال أمام تطوير شبكات النقل والخدمات اللوجستية، وتعزيز دور الموانئ، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي الإقليمي.
ولا تقتصر أهمية هذه الفرص على نقل النفط والبضائع، بل تمتد إلى إمكانية إنشاء مشروعات صناعية وخدمية، وتنشيط حركة التجارة، واستقطاب استثمارات تساهم في خلق فرص عمل وتوسيع النشاط الاقتصادي.
لكن الاستفادة من هذه الإمكانات ترتبط بتحويل التصورات إلى مشروعات مدروسة وقابلة للتنفيذ، تقوم على تطوير البنية التحتية، وتكامل المصالح الإقليمية، والتخطيط طويل الأمد.
فالقيمة الحقيقية للموقع الجغرافي لا تكمن في مرور المصالح عبره فحسب، بل في قدرته على تحويل حركة التجارة إلى إنتاج وفرص وتنمية.
من الموقع الاستراتيجي إلى القيمة الاقتصادية:
إن الدول التي تستثمر مواقعها الجغرافية بفاعلية لا تكتفي بدور العبور، بل تعمل على بناء منظومة اقتصادية متكاملة حوله، تشمل النقل والتخزين والصناعات والخدمات المالية والتجارية.
ومن هنا، يمكن لسوريا أن تنظر إلى مشروعات الربط الإقليمي باعتبارها فرصة أوسع لدعم التعافي الاقتصادي، بالتوازي مع تنشيط قطاعاتها الإنتاجية، وتطوير الزراعة والصناعة، وتأهيل المرافق الأساسية.
فكلما ارتبطت مشروعات النقل بقدرات إنتاجية محلية، اتسعت دائرة الاستفادة منها، وأصبحت آثارها أكثر امتدادًا إلى سوق العمل والأنشطة الاقتصادية المختلفة.
كما أن التعاون مع الدول المجاورة، ضمن شراكات متوازنة تحقق المصالح المشتركة، يمكن أن يفتح آفاقًا جديدة أمام التجارة والاستثمار، ويعزز حضور سوريا في شبكة الاقتصاد الإقليمي.
الشراكات والثقة… أساس الفرص المستدامة:
تتطلب المشروعات الاستراتيجية بيئة قادرة على جذب الاستثمارات واستمرارها، من خلال وضوح الإجراءات، وتطوير الخدمات، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتوفير الظروف المناسبة للعمل والإنتاج.
وفي هذا الإطار، تكتسب خطوات توسيع التعاملات التجارية والمالية الدولية أهمية خاصة، لما يمكن أن تتيحه من فرص لتسهيل الاستيراد والتصدير، وتنشيط المبادلات التجارية، وفتح مسارات جديدة للتعاون الاقتصادي.
وقد أفادت رويترز في تشرين الأول 2026 بأن مصرف «جي بي مورغان» ساعد في تسهيل اعتماد مستندي لصفقة منتجات نفطية سعودية إلى سوريا، في تطور يعكس أهمية القنوات المصرفية في دعم حركة التجارة.
وتبقى الاستفادة من هذه الخطوات مرتبطة بقدرتها على التوسع والتحول إلى نشاط اقتصادي مستدام، يساهم في دعم الإنتاج وتوفير فرص جديدة.
التنمية… المعيار الأهم للنجاح:
يبقى نجاح أي مشروع اقتصادي مرتبطًا بما يحققه على أرض الواقع، وبقدرته على تحسين حياة الناس وتوسيع الفرص أمامهم.
فالمشروعات الاستراتيجية تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تساهم في توفير فرص العمل، وتحريك عجلة الإنتاج، وتحسين الخدمات، وتوسيع الأسواق أمام المنتجات الوطنية.
ومن هنا، فإن تنويع الاقتصاد وتعزيز قدراته الإنتاجية يسيران جنبًا إلى جنب مع الانفتاح الإقليمي. فالممرات التجارية تمنح فرصًا مهمة، لكن بناء اقتصاد متماسك يحتاج أيضًا إلى الاستثمار في الإنسان، وتطوير المهارات، ودعم المشروعات، وتوسيع قاعدة الإنتاج المحلي.
وتزداد أهمية هذا التكامل في مرحلة التعافي، حيث يشكل التعاون بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والشركاء الإقليميين عنصرًا أساسيًا في تحويل الإمكانات إلى نتائج ملموسة.
سوريا… من إمكانات الجغرافيا إلى آفاق المستقبل:
تمتلك سوريا مقومات جغرافية واقتصادية يمكن البناء عليها لتعزيز دورها في المنطقة، فيما تتيح التحولات الإقليمية فرصًا جديدة للتعاون في مجالات الطاقة والتجارة والنقل.
غير أن قيمة هذه الفرص تتحدد بما يمكن إنجازه من مشروعات وشراكات واستثمارات، وبمدى ارتباطها بأهداف التنمية الوطنية واحتياجات المجتمع.
فالجغرافيا تمنح سوريا فرصة للحضور في خريطة المصالح الإقليمية، أما الاستثمار الواعي فيها فيمكن أن يحوّل هذا الحضور إلى قيمة اقتصادية مستدامة.
والهدف الأبعد ليس أن تكون سوريا مجرد ممر بين الأسواق، بل أن تكون شريكًا فاعلًا في التنمية والتجارة والإنتاج، مستفيدة من موقعها وإمكاناتها لبناء اقتصاد أقوى، وتوسيع الفرص أمام أبنائها، وتعزيز مكانتها في مستقبل المنطقة.