الكاتب: عاطف أبو سيف

عـلـى هـامـش مـا جـرى

نشرت في 28 يونيو 2026 03:37 م

الكاتب: عاطف أبو سيف

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/431967



 

شكلت الدعوة للحراك الجماهيري في غزة محاولة لإسماع صوت الناس التي لا ناقة لها ولا جمل فيما يجري هناك سوى أنها تدفع الثمن نتيجة ذلك. لم يصل الحراك الجماهيري لمستواه المطلوب وربما المتوقع لجملة أسباب ليست غاية هذا المقال لكنها مفيدة في فهم السياقات الجديدة في غزة بعد الإبادة التي لم تنتهِ بعد. ويمكن تعداد عشرات الأسباب التي جعلت الميلاد صعباً من القمع والتهديد مروراً بالإنهاك والتعب الذي أصاب الناس وصولاً لانعدام الثقة في النخب السياسية وغياب برامج ورؤى مستقبلية. وهذه قضايا يمكن الاستفاضة فيها لكن المهم أن الناس لم تعد تعبأ كثيراً بالحالة السياسية ولا بالحديث عن البرامج فهي تريد حياة كريمة دون خطابات. والمؤكد أن عجز التنظيمات عن اتخاذ موقف مع الحراك الجماهيري ساهم أيضاً في ضياع الناس وعدم فهمها لطبيعة ما يجري. ولو كان ثمة موقف وطني جامع محمول ضمن سياق الموقف العام الداعي لإنهاء الانقسام وتسليم إدارة غزة للجنة وطنية يتم تشكيلها بقرار وطني عام وليس بقرار من ترامب لاختلف الأمر ربما. 
لكن الشعور العام هو غياب صياغات وطنية عامة. وحتى لا يذهب بنا الاجتهاد بعيداً فحتى الانتخابات البلدية في دير البلح التي تمت في نيسان الماضي لم تشهد إقبالاً شعبياً ولم تتجاوز نسبة التصويت فيها 23%. كل هذا انعكاس لتبلور مزاج شعبي في غزة يتمايز ويبتعد عن الفعل السياسي العام الذي ظل سائدا ومهيمناً على الحالة الوطنية في العقود الأخيرة. وعلى التنظيمات أن تحذر وتنتبه أن التحولات ستجلب معها تمظهرات جديدة. 
وبقدر انغلاق المشهد الفلسطيني في غزة ذاتياً وموضوعياً بسبب ما تعرض له القطاع من حروب فتاكة، والشعور العارم بالخذلان بقدر ما سيكون قادراً على توفير حاضنة مجتمعية وجماهيرية للمبادرات الجديدة التي قد تتبلور على شكل تنظيمات سياسية ناشئة تعبر عن سخطها من الجميع وتقدم إجابات بسيطة لا تصارع التنظيمات على البلاغة والأهداف الكبرى. وهذه بالطبع ليست دعوة لظهور هذه التشكيلات ولكن من يقرأ الواقع جيداً يدرك أن سياق ما بعد الحرب على غزة سيشهد تمظهرا مثل هذه التشكيلات خاصة في ظل عجز التنظيمات السياسية عن تقديم إجابات خاصة بالسياق العام في قطاع غزة. الشعور العام أن التنظيمات لم تعد قادرة على التعبير عن طموحات الأجيال الجديدة في غزة. 
لنتذكر بأن فئة الشباب الذين بلغوا سن الوعي السياسي والعام وهم الفئة فوق عمر ١٨ سنة، قسط كبير منهم نضجوا في الحرب وفي ظل التشرد والإبادة، وهم لا يرون أحداً بريئاً من معاناتهم؛ فالجميع متهمون بما آلت إليه أوضاعهم. وهؤلاء لم يعيشوا في كنف السلطة حتى يعرفوا الفرق بين سلطة وطنية حقيقية وبين سلطة حركة دينية كما أنهم لم يعيشوا في أجواء وطنية بحتة بل في ظل صراع واحتراب، إلى جانب أنهم أدركوا كيف تتعامل «حماس» مع غزة كما يتعامل رجل مع شركته الخاصة. وهؤلاء معظمهم ولدوا بعد الانقلاب لذا فثقافتهم السياسية تختلف كثيراً وبشكل سيؤثر على خياراتهم السياسية وتوجهاتهم الداخلية.
خلاصة القول، إن الواقع في قطاع غزة سيبرز وجهات نظر مختلفة، وسيتم الدفع باتجاه تشكيلات سياسية خاصة بغزة. وهنا يجب وضع خط تحت عبارة «خاصة بغزة» لأنها ستعني أن تلك التنظيمات في حال ظهورها ستكتفي بالإجابة عن الأسئلة الخاصة بقطاع غزة وحالة ما بعد التعافي وإدارة الحالة «الغزية». لقد تم دفع أثمان باهظة وطنياً خلال الانقسام المرير ولكن الآن ستمس هذه الأثمان مستقبل النظام السياسي الفلسطيني. نلحظ تفتت الحالة الوطنية وغلبة القضايا الجزئية على الحالة الوطنية الكبرى وبروزها كحالات وطنية خاصة في سياقها حيث باتت القضايا المناطقية هي جوهر الصراع أو العلاقة مع العدو، كل ذلك سيساهم في تطوير منظور محلي خاص لتلك التشكيلات. 
ولعل بروز فكرة لجنة غزة وتعامل المجتمع الدولي معها كمرجعية لإدارة قطاع غزة حتى لو كانت تلك الإدارة وهمية وعلى الورق يجب ألا يتم الاستخفاف بها لأن التجربة ذاتها وفي سياق آخر ومستقبلي قد يتم نقلها لبعض أجزاء الضفة الغربية. وهذا ليس باب القصيد هنا، ما أرمي إليه أن تثبيت فكرة اللجنة سيعني ظهور قوالب عمل سياسي مختلفة بحاجة لصياغات شعبية جديدة تستجيب لها.   
وبمراجعة بسيطة لمواقف جميع التنظيمات بما في ذلك «فتح» وتدخلاتها منذ انقلاب حزيران الأسود العام ٢٠٠٧ الذي جلبت خلاله «حماس» الانقسام والاقتتال الداخلي للثقافة السياسية الفلسطينية وحتى اللحظة فإن مواقف التنظيمات لم تتغير. ولو قام باحث برصد تصريحات ومواقف تلك التنظيمات على مدار العشرين سنة الماضية فلن يجد جديداً يذكر بل ما سيكتشفه أن الزمن لا يتحرك وأن التحولات والتغيرات التي ضربت المنطقة والحالة الوطنية لم تترك أثراً ولو بسيطاً في مواقف التنظيمات الفلسطينية. لا شيء يتحرك. فرغم الإبادة والتهجير وفقد أكثر من 6% من سكان قطاع غزة فإن الموقف من الانقسام ما زال على حاله حيث يتم التعامل مع الحالة الوطنية وفق نفس المواقف الحزبية ذاتها التي كان يتم التعامل فيها معه قبل الإبادة. التغيرات لا تهم والمواقف مجرد هياكل ثابتة لا تتبدل. 
سيظل السؤال حول مدى استجابة التنظيمات لتطلعات شعبنا ومآسيه الجديدة مقلقاً، ويجب أن يكون كذلك في ظل عدم مقدرة التنظيمات على صياغة مواقف تعبر عن الناس. تذكروا أن سبب نجاح «فتح» وبقية فصائل الثورة بعد عقد من وقوع النكبة في قيادة الحالة الوطنية أنها قدمت إجابات جديدة لواقع جديد، إجابات اختلفت عما كانت تقدمه النخب السياسية التقليدية التي حكمت الحالة الوطنية منذ عشرينيات القرن. كان الراحل يحيى رباح يقول، إن تميز «فتح» أنها قرأت السياق الفلسطيني بشكل بسيط. ماذا يحتاج الفلسطيني اللاجئ؟ الإجابة هي أن يعود لقريته ومدينته فقدمت «فتح» إجابات حول حرب التحرير وحول الهوية الوطنية الجمعية. إن الإجابات الصحيحة هي من يجلب الالتفاف الشعبي.
أتمنى ألا نكون في سياق مشابه لسياق نهايات الخمسينيات وبداية الستينيات، وأن يتم تدارك الأمر وحماية المكتسبات الوطنية وصياغات إجابات جمعية شاملة قادرة أن تكون على قدر حاجة وتوقعات واستجابات المواطنين.