بقلم د. دلال صائب عريقات

عقيدة كوشنر- ويتكوف والقضية الفلسطينية

نشرت في 01 فبراير 2026 12:00 ص

بقلم د. دلال صائب عريقات

وكالة خبر

https://khbrpress.ps/post/426136

 أعاد الإعلان الأخير لما يُسمّى «مجلس السلام» عن الدفعة الأولى من الدول الأعضاء المؤسِّسة، عبر صفحته الرسمية على منصة X (@BoardOfPeace)، فتح نقاش سياسي عميق حول طبيعة التحولات الجارية في بعض المقاربات الدولية للقضية الفلسطينية. وقد ضمّت هذه الدفعة دولًا من أقاليم وتوجهات سياسية متباينة، شملت كلًا من: مصر والأردن والكويت والمغرب وقطر، والمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة والبحرين وتركيا وبيلاروسيا وباراغواي وألبانيا والأرجنتين وأرمينيا وأذربيجان وبلغاريا وكمبوديا والسلفادور والمجر وإندونيسيا وباكستان وكازاخستان وكوسوفو ومنغوليا وأوزبكستان وفيتنام. ويعكس هذا التشكيل تنوّعًا جغرافيًا وسياسيًا لافتًا، يوحي بطموح المجلس إلى بناء منصة دولية عابرة للأقاليم تحت عنوان "السلام والتعاون".
غير أن هذا الطرح، في سياقه السياسي، يثير تساؤلات جوهرية حول مضمون هذا السلام، ومن يعرّفه، وعلى أي أسس قانونية وسياسية يقوم. فالتنوع الشكلي في العضوية لا يعني بالضرورة تنوعًا في المرجعيات أو الأهداف، خصوصًا عندما يُقرأ هذا الإعلان في سياق التحولات الأوسع في الطرح الأمريكي تجاه القضية الفلسطينية، ولا سيما ما اسميه بعقيدة كوشنر–ويتكوف السياسية. اما زخم التمثيل العربي والإسلامي يضع علامة استفهام حول الاتفاقيات الابراهيمية في صيغة ترمبية جديدة!
هذه العقيدة لا تكتفي بتجاوز مفهوم «السلام الاقتصادي» التقليدي بل هي امتداد لصفقة القرن في حلة متجددة، تمضي نحو محاولة واعية لإعادة هندسة الواقع الفلسطيني برمّته، بمشاركة عربية وإسلامية بعيدًا عن الشرعية السياسية الوطنية، والتمثيل الفلسطيني الشعبي، ومرجعيات القانون الدولي. فمنذ تصريحات جاريد كوشنر العلنية، خاصة خلال مشاركته في حوارات الشرق الأوسط في جامعة هارفارد، بات واضحًا أن المسألة لا تتعلق بضخ استثمارات أو تحسين ظروف معيشية، بل بإعادة تعريف جوهر القضية الفلسطينية، وتحويلها من قضية تحرر وطني إلى ملف إدارة اقتصادية استثمارية بحتة.
كوشنر هو المنظّر، وويتكوف هو الواجهة التنفيذية لكوشنر اليوم وترامب هو المرجعية, ويتّضح هذا المسار بشكل أكثر خطورة مع إعلان البيت الأبيض عن تشكيل المجلس التنفيذي لمجلس السلام الخاص بغزة، وهو هيئة دولية ستتولى الإشراف على عمل لجنة الإدارة التكنوقراطية الجديدة في قطاع غزة، إضافة إلى الإشراف على مسار إعادة الإعمار ونزع السلاح. ووفق الإعلان، يضم هذا المجلس الولايات المتحدة، والأمم المتحدة، وإسرائيل، والمملكة المتحدة، والإمارات، وقطر، وتركيا، ومصر، ويرأسه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في حين يتولى قيادة ما يُسمّى«قوة الاستقرار الدولية» الجنرال الأمريكي جاسبر جيفرز، مع تعيين نيكولاي ملادينوف ممثلًا ساميًا للمجلس في غزة.
هذه الهيكلية تكشف بوضوح طبيعة المقاربة المطروحة: إدارة غزة بوصفها ملفًا أمنيًا–اقتصاديًا يخضع لإشراف دولي مباشر، لا كجزء لا يتجزأ من الأرض الفلسطينية المحتلة. فالجنرال جيفرز سيشرف على جميع المسائل الأمنية المرتبطة بنزع سلاح القطاع، وتأمين المساعدات، وإعادة الإعمار، فيما يعمل ملادينوف حلقة وصل بين لجنة إدارة غزة والمجلس التنفيذي الدولي، الذي يضم شخصيات سياسية واقتصادية نافذة، على رأسها ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر، ووزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورجل الأعمال الأمريكي مارك روان، ورئيس البنك الدولي السابق أجاي بانغا، إلى جانب مستشارين سياسيين أمريكيين.
أما المجلس التنفيذي الخاص بغزة، فيضم خليطًا من مسؤولين أمريكيين وإقليميين ودوليين، إضافة إلى رجال أعمال، وحتى ممثلين إسرائيليين، في مقابل غياب صارخ لأي تمثيل فلسطيني. فالفلسطينيون، أصحاب الأرض والقضية، مغيَّبون عن موقع القرار، في حين يُطلب منهم لاحقًا التكيّف مع "الأمر الواقع". لقد كان كوشنر صريحًا في استهدافه المباشر للسلطة الفلسطينية، إذ لم يتعامل معها كشريك سياسي، بل بوصفها «عائقًا وظيفيًا» يجب تجاوزه. هذا الخطاب لا يمكن فهمه كمجرد نقد سياسي أو دعوة للإصلاح، بل كجزء من عقيدة متكاملة تسعى إلى إقصاء القيادة الفلسطينية الشرعية، وفتح المجال أمام بدائل مصطنعة، سواء على شكل مجالس محلية، أو لجان تكنوقراطية، أو أطر جديدة تُقدَّم تحت مسمى «السلام»، بينما يتم في جوهرها تفريغ السياسة من مضمونها. بالمقابل رحبت القيادة الفلسطينية بجميع هذه الصيغ والمجالس ورحبت بقرار مجلس الامن ٢٨٠٣ الذي تستند اليه كل هذه الحلول من فرض الحقائق على الأرض الفلسطينية دون قرار وطني فلسطيني.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل الانتقادات التي وجّهها كوشنر للرئيس محمود عباس ولما سمّاه «الحرس القديم» عن محاولة منهجية لشيطنة القيادة الفلسطينية، وضرب شرعيتها الأخلاقية والسياسية. فقد عمل كوشنير على توظيف خطاب «فساد النخبة» بشكل انتقائي، وربطه بتمدد الاستيطان وما وصفه كوشنر بـ«رفاهية القيادة الفلسطينية»، في محاولة لتبرير الالتفاف على التمثيل الرسمي عبر التواصل المباشر مع القطاع الخاص أو شخصيات تكنوقراطية مرتبطة بالخطة الاستثمارية المطروحة.
الخطر هنا لا يكمن فقط في الخطاب، بل في نتائجه السياسية العميقة. إذ يجري اختزال القضية الفلسطينية في مؤشرات نمو، وعدد مشاريع، وحجم استثمارات، بدل قياسها بمعايير الحقوق، والسيادة، وتقرير المصير. وبهذا، يتحول الفلسطيني من صاحب حق سياسي وقانوني، إلى «مستفيد» مشروط بقبوله قواعد اللعبة الجديدة، التي تُدار خارج أي إطار سيادي مقابل التمتع ببعض الامتيازات والمناصب التي اختزلت القضية الفلسطينية.
الأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ«الفصل الواقعي بموافقة فلسطينية». فطرح ما يُعرف بـ«غزة الجديدة» يأتي في لحظة إنهاك غير مسبوقة يعيشها الفلسطينيون، في ظل حرب إبادة، وحصار خانق، وتجويع، وانهيار شبه كامل لمقومات الحياة. في مثل هذا السياق، يصبح خطر القبول بأي صيغة تُقدَّم كحل إنساني قائمًا، حتى وإن كانت على حساب الوحدة الجغرافية والسياسية الفلسطينية. وعلى مستوى الحوكمة وحقوق الملكية، يتجاهل الطرح الإنسان والقانون معًا. فلا حديث جدي عن حقوق مئات الآلاف من أصحاب الأراضي والمنازل المدمّرة، ولا عن حماية السجل المدني، ولا عن آليات تضمن حقوق المواطنين في مواجهة المستثمرين الأجانب، في ظل غياب سيادة قانون حقيقية. ويجري التعامل مع الأرض وكأنها مساحة استثمارية فارغة، لا كحيّز قانوني وإنساني له أصحاب وحقوق راسخة.
إن الخشية الحقيقية تتمثل في تمرير فصل قطاع غزة إداريًا وسياسيًا عن الضفة الغربية، تحت غطاء لجان تكنوقراطية أو ترتيبات انتقالية يُروَّج لها باعتبارها مؤقتة. غير أن التجربة التاريخية الفلسطينية، ومعها تجارب الشعوب الخاضعة للاحتلال، أثبتت أن الحلول المؤقتة غالبًا ما تتحول إلى وقائع دائمة، تُفرض بالقوة وتُطبع مع الوقت خدمة للمشروع الصهيوني الكولونيالي.
إن الخطر لا يكمن فقط في خطة ترمب للسلام أو في الأطر الجديدة مثل «مجلس السلام»، بل في الانجرار الفلسطيني لقبول أي صيغة، نحو حلول تُقسّم الجغرافيا، وتُنهي التمثيل السياسي الموحّد، مقابل وعود رفاهية بلا ضمانات قانونية أو سياسية تحت ضغط الحرب والدمار خاصة، وما خلفه السابع من أكتوبر من كارثة سمحت للاعبين بتحويل القضية من إطارها الحقوقي والقانوني لإطار إنساني. السلام الحقيقي لا يُبنى على تجاوز الشعب الفلسطيني، بل على الاعتراف بحقوقهم غير القابلة للتصرف، وإنهاء الاحتلال، وتمكينهم من تقرير مصيرهم بحرية وكرامة.